شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٦٣ - المقام الثامن في بعث من في القبور
و بالجملة، لا ينقطع تلك الملابسة بتفرّق تلك الأجزاء و استحالتها في كيفيات شتى، فانّ هذه التفرقة عندنا و بالنظر الى حواسّنا و أمّا عند من لا يعزب عن علمه و إحاطته مثقال ذرّة و لا يغيب عن شروق نوره منظر و لا كوّة [١] فهي على اجتماعها [٢] الذاتي و تضامّها الحقيقي؛ بل أقول: انّها عند أرباب المعرفة و اليقين و أصحاب التأله و المقرّبين كذلك، لما قد استبان في المقامات البرهانية موافقا لأفلاطون الإلهي [٣] من أنّ الوحدة الشخصية لا تنثلم [٤] و لا تنفسخ بالكثرة الانفصالية و لا ينافي تلك الانفصالات الأبعاضية بقاء الوحدة الشخصية، إذ ليست تلك الكثرة في مقابلة الوحدة على ما ترى من أنّ تقطّع أبعاض شخص إنساني مثلا لا يوجب تكثّر أشخاص ذلك النوع و أنّ الوحدة الاتصالية لا ينافيها الكثرة الأبعاضية بناء على أنّ مقابل الاتصال الحقيقي هو الانفصال الّذي بمعنى عدم فرض أجزاء مشتركه في الحدود، و ذلك مما يمتنع عروضه للمتصل الّا بأن يصير أجزاء لا يتجزّى فالمتّصل الشخصي الّذي يلزم اتّصاله الخاصّ المقداري أن يكون شخصا من نوع حقيقي و إن تفرّق بأبعاضه في أطراف الأرض و أكنافها فهو عند أهل البصائر العرفانيّة على وحدته الشخصية و اتّصالها الحقيقي و مضامّتها الواقعيّة.
و هذا و إن كان ممّا يستغرب كمال الغرابة لكنّه بعد الفحص البرهاني الشديد و البحث العرفاني السّديد، ليس بذلك البعيد؛ فافهم. يؤيّد ذلك كلّه ما روي في الاحتجاج [٥] عن الصّادق عليه السلام في سؤال الزنديق عنه الى أن قال: «و أنّى له
[١] . الكوّة: الخرق في الحائط.
[٢] . اجتماعها: اجتماعه ن.
[٣] . إشارة الى نظرية المثل.
[٤] . لا تنثلم و لا تنفسح: لا ينثلم و لا تتفسخ م.
[٥] . ج ٢، ص ٣٥٠ ذيل احتجاج الإمام الصادق مع اختلاف يسير في العبارات؛ بحار، ج ١٠، ص ١٨٥.