شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٣٣ - المقام الثالث في الجنة و درجاتها و منازلها
النشأة العنصريّة عالمان كما عرفت. و للنفس نعيم بما تكسبه من العلوم الإلهية و المعارف الحقيقية من طريق نظرها أو بالنّور الإلهي و نعيم آخر بما تعمله بقواها الحسيّة من اللّذات و الشهوات من أكل و شرب و نكاح و لباس و فرش مرفوعة و روائح و نغمات طيّبة و جمال حسيّ في صورة محسوسة معشوقة يعطيها البصر في وجوه حسان و حور غلمان. كلّ ذلك ينقله الحواس و يوصله الى النفس فتلتذّ به؛ فالجنة المحسوسة كالجسم، و المعقولة كالروح، و في الخبر عن الصادقين عليهم السلام في قوله تعالى: وَ فاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [١]. انّما هو العالم و ما يخرج منه». و هذه الجنة مخلوقة من الفرح الإلهي و الابتهاج و السّرور الذّاتي من صفات البهاء و الكمال و نعوت الحسن و الجمال و في الخبر النبوي:
«يا علي! خلق اللّه الجنة من لبنتين: لبنة من ذهب و لبنة من فضة و جعل حيطانها الياقوت، و سقفها الزّبرجد، و حصاها اللّؤلؤ، و ترابها الزعفران و المسك الأزفر، ثم قال لها تكلّمي فقال لا إله الّا اللّه الحيّ القيوم» [٢] و هذا المعنى يفهم من فهم قوله صلّى اللّه عليه و آله: «مثلي و مثل الأنبياء كمن بنى دارا و بقي موضع لبنتين منها فأنا بمنزلة تينك اللّبنتين» [٣].
و اعلم أنّ دخول الجنّة: إمّا بميراث أو باختصاص، أو بعمل من النّاس.
فالجنّات بهذا الاعتبار ثلاث [٤]: جنّة الاختصاص الإلهي التي يختص بها من يشاء من عباده، و من أهلها كما قيل أطفال المؤمنين و المجانين منهم و أهل التوحيد العلمي
[١] . الواقعة: ٢٠.
[٢] . بحار، ج ٨، ص ١٣٢ و قريب منه في تفسير الفرات، ص ٢٢٣.
[٣] . سنن الترمذي، ج ٥، ص ١٤٧ حديث ٢٨٦٢ و ص ٥٨٦ حديث ٣٦١٣ و مر أيضا في ص ١٠٦.
[٤] . الفتوحات المكية، ج ١، ص ٣٠٢ الباب ٦٢ «فلأهل السعادات ثلاث جنّات: جنّة أعمال و جنّة اختصاص و جنة ميراث» و أيضا، في الفتوحات، ج ١، الباب ٦٥، ص ٣١٧: «و اعلم انّ الجنات ثلاث: جنة اختصاص إلهي و هي ...» مع تصرّف و شرح من الشارح.