شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥١٨ - الحديث السادس و الثلاثون
الأول، اعلم أنه ممّا قد أعان عليه الكشف و العيان و استنتجته العقول المرتاضة بالبرهان و هدى إليه الشرائع، و قضى عليه كلّ مشتري الحق و البائع، انّ أول الصّوادر من المبدأ الأعلى في العالم العلوي نور هو جملة الأنوار بالاشتمال العلّيّ و الاحتواء الجملي، و في العالم الكوني شيء هو أيضا جملة الأشياء بالقوة الجامعة و الإحاطة القابلية على محاذاة الإحاطة الفاعلية. و يؤيّد الأوّل [١] ما نقل عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: أنه عليه السلام أوّل الأنوار المخلوقة [٢] و من نوره خلق سائر الأشياء الموجودة. و قد تكرّر ذلك في الأخبار و يؤيّد الثاني [٣] ما روي: أنّ أوّل ما خلق اللّه الماء [٤]، ثم ذكر انّ كل شيء فهو من الماء، و يؤيّد الاشتمال ما ورد في العلل: من انّ اللّه خلق العقل و له رءوس بعدد رءوس الخلائق [٥].
ثمّ انّه من الاصطلاحات الشرعية أن يعبّر تارة عن الصادر الأول العلوي ب «العرش»، و تارة عن الصادر الأول الكوني به، و ذلك لارتباط خاص بين العاقل و المعقول و اتّحاد بوجه ما بينهما على ما تقرّر في العقول.
ثم من المستبين عند أهل المعرفة انّ التعبير عن المجمل بالنظر الى المفصّل، و بالعلّة بالقياس الى المعلول، حسب ما تقرر في مقر، ه و اتضح ببرهانه: من انّ الأخيرين عبارتان عن ظهور الجهات و الأنوار المندمجة في الأولين ب «النقطة» و عن المقابل ب «الدائرة» من أحسن التعبيرات الكاشفة عن حقائق المرموزات بل الواقع كذلك. و هذه النقطة دائرة حقيقة، لكن يعبّر عن المحوى ب «المحيط» و عن الحاوي ب «النقطة». فبالحقيقة، الحاوي هو الدائرة بتمامها كما الأمر في الدوائر الجسمانية
[١] . الأول: أي النور في العالم العلوي.
[٢] . إشارة الى أحاديث في هذا المعنى من جملتها ما في الخصال، ص ٦٤١- ٦٤٠.
[٣] . أي الشيء المذكور في العالم الكوني.
[٤] . علل الشرائع، ج ١، باب ٧٥ علة المشوّهين في خلقهم، حديث ٦ ص ٨٣ و قد مرّ أيضا.
[٥] . علل الشرائع، ج ١، باب ٨٦ حديث ١، ص ٩٨.