شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٧٨ - وجه انه تعالى متعال عن أن يحويه دهر و يحيط به وصف
و أمّا قوله: «و حصرت الأفهام»- الى آخره، فلبيان عجز جودة القوة الذهنية [١] عن طلب الشعور لوصف صفة قدرته أو لوصف حقيقة مقدوراته، إذ لا يحيطون بشيء من علمه الّا بإذنه.
و أمّا قوله: «و غرقت الأذهان»- الى آخره، فلبيان انّ قوة الذهنية [٢] لا يخلو من الغواشي المادية. و ذلك لأنّ المراد بالفلك هنا الماء الّذي حرّكته الريح أو البحر المضطرب، و هو لا يخلو من حدوث الأمواج فيه. و «اللجّة» هي معظم الأمواج.
و «الملكوت» هو باطن عالم الملك، كما قال تعالى: بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [٣] فاذا شبّه الملكوت بالبحر فالأمواج و اللّجج يكون عالم الشهادة، إذ الموج هو الظاهر من البحر، كما الملك ظاهر الملكوت، و لا ريب انّ عالم الملك هي نفس الغواشي الماديّة من الصور و الأعراض. و الذهن من ذلك العالم، فهو لا يخلو عن التكدّر بالأوساخ و الأدناس سواء في ذلك نفس الذهن أو ادراكاته. فبيّن بذلك انّ الأذهان انما غرقت و تدنّست بالأمواج الكدرة التي هي لجج بحار عالم الملكوت فليس لها أن يدرك الأمور المجرّدة عن المادّة كالعقول المقدّسة بخالص حقائقها و جوهر ذواتها، فأين من إدراك مبدأها المنزّه عن التجرد و اللاتجرد الخاصتين بالجواهر؟! و كيف لها من تصوّر فاعلها القيّوم المقدّس عن الدخول في مشعر من المشاعر؟! هكذا ينبغي أن يفهم هذا الموضع.
[وجه انّه تعالى متعال عن أن يحويه دهر و يحيط به وصف]
مقتدر بالآلاء و ممتنع بالكبرياء و متملك على الأشياء فلا دهر يخلقه و لا وصف يحيط به.
اعلم انّ المقصود من هذه الجمل ذكر أنّ اللّه سبحانه متعال عن أن يحويه
[١] . الذهنيّة: الوهمية د.
[٢] . الذهنيّة: الوهمية د.
[٣] . يس: ٨٣.