شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٦٣ - في انه تعالى لم يخل منه مكان و لا له شبح مثال و لم يغب عن شيء
يكن وجودها من أنفسها فدوام وجودها بالطريق الأولى، فالّذي يرى من الدّوام و من أحكام النظام انّما هو من فاعلها، فهي تدوم [١] بدوامه و تبقى ببقائه. هذا، إذا كان المراد الفناء الذاتيّ. و أمّا إذا أريد به الّذي بعد الوجود فوجه دلالته على دوام اللّه و بقائه فلأنّ فناء الشيء بعد الوجود انّما هو برجوعه الى علته، إذ المعلول ليس الّا تطوّر العلّة بطور و تعيّنه بشأن، فإذا زال ذلك الطّور بقي العلّة بذاتها أو بتعيّن آخر، و لا شك انّ اللّه جلّ مجده منتهى العلل و نهاية كلّ شيء و غاية الغايات، ففناء كلّ شيء انما هو برجوعه الى اللّه الواحد القهّار، فظهر انّ فناء الأشياء بهذا المعنى شاهد على دوامه سبحانه و تعالى.
فإن قلت: الممكن عاجز بنفسه و فان بذاته فما وجه القول بأنّ اللّه و سمها بالعجز و جعل لها علامة الضعف و اللّه [٢] سبحانه اضطره [٣] الى الفناء و جعله مضطرّا الى ذلك.
قلت: الحق انّ «الإمكان» من الأمور الوجودية فهو معلول بالعرض و قد حقّقنا ذلك في موضعه.
[في انّه تعالى لم يخل منه مكان و لا له شبح مثال و لم يغب عن شيء]
لم يخل منه مكان فيدرك بأينيّته، و لا له شبح [٤] مثال فيوصف بكيفيّته، و لم يغب عن شيء فيعلم بحيثيّته.
كلّ ما هو مجرد عن المواد و الأكوان، فهو موجود في كلّ مكان إذ لو لم يكن كذلك فإمّا أن يكون في بعض الأمكنة دون بعض أو لا يوجد في شيء من
[١] . تدوم و تبقى: يدوم و يبقى م.
[٢] . و اللّه: انه ن.
[٣] . اضطرّها و جعلها ن.
[٤] . شبح: شبه (التوحيد، ص ٦٩).