شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٢٣ - فوائد الرسالة
العالم الجسمانيّ؛ لأنّ أعمالهم تعرض على رسلهم و الكلّ يعرض على رسولنا في كلّ أسبوع. و سرّ هذا انّ كلّ رسول فانّما يحيط بحقائق كلّ من كان من رعيّته و يجعله تحت سلطانه، حتّى كأنّ المجموع إنسان واحد و ذلك الرّسول بمنزلة القلب منه، و كأنّهم أعضاء ذلك الإنسان و قواه و لا شكّ انّ كلّ ما تفعله الجوارح فانّما يصل إلى القلب خبره و يرجع إليه أثره.
و بالجملة، فلمّا اقتضت العناية الإلهية أن تصير النفوس إلى هذا العالم الجسماني ليمتحنوا و لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [١] لأنّه كانت في باطن بعض النفوس دواعي لا يعلمها الّا اللّه و لم يكن ذلك العالم الرّبوبيّ موضع بروز هذه الكوامن في جبلّة هذه الطائفة من النّفوس حسب ما اقتضت طينتهم، فلذلك امروا [٢] بالمصير إلى هذا العالم لأنّه دار ابتلاء؛ و لأنّ كلّ عالم أسفل فهو ظهور ما في باطن العالم الفوقاني، بناء على ما هو الحقّ من انّ المعلول هو باطن العلة التي ظهر، و لا محالة هذا العالم السّفلى هو مظهر دواعي النفوس من الخيرات و الشّرور، كما انّ عالم الآخرة هو محلّ بروز كوا من ما في هذه النشأة الدّنياوية.
و مما يجب أن تعلم، هو انّ النّفس حقيقتها، هي أنّها إذا توجّهت شطر شيء، فكأنّه صار ذلك الشيء و هكذا خلقتها و جبلّتها فلمّا فارقت العالم النوريّ و صارت إلى هذا العالم الظّلماني، و زيّنت ظواهر الأجسام بأنواع الزينة، و زخرفت ذلك البيت الخراب بأصناف الجواهر العقلية [٣]، و عمّرت هذه النّشأة أحسن عمارة، و [بنت] [٤] فيها قصورا مشيّدة، و تنعّمت فيها بالفواكه الطّيبة
[١] . الأنفال: ٣٧.
[٢] . امروا: امر ن.
[٣] . العقلية: الثمينة (نسخة في هامش د).
[٤] . و بنت: و بني م ن د و الأصحّ بنت بقرينة سائر الأفعال.