اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٦٤ - المبحث الثاني فيما هي حقيقة فيه
إذا أردت إنقاذ الغريق من البحر كان إلقاء نفسك فيه مسبوقاً بإرادة شديدة، وإذا أردت السباحة كان الإلقاء مسبوقاً بإرادة ضعيفة؟
اللّهمّ إلّاأن يكون للشوق المؤكّد مراتب يكون في بعضها نفس التأكّد وفي بعضها كمال التأكّد، وعليه فلا إشكال في تفسير الإرادة به.
والكاشف عن شدّة الإرادة وضعفها تارةً هو الأعمال المترتّبة عليها، فخروج الإنسان عن الدار مثلًا سريعاً عرياناً مضطرباً كما في موارد الزلزلة كاشف عن تعلّق الإرادة الشديدة بالخروج، وخروجه عنها بطيئاً مطمئنّاً كاشف عن تعلّق الإرادة الضعيفة به، واخرى هو عللها المكوّنة لها التي أهمّها درك المريد أهمّيّة المراد، فإذا كان درك المريد لعظمة المراد قويّاً كان إرادته له شديدة، وإذا كان ضعيفاً كانت ضعيفة، فحن نصلّي، والأئمّة عليهم السلام أيضاً كانوا يصلّون، لكن لا ريب في أنّ إرادتهم للصلاة كانت أشدّ من إرادتنا، لأنّ إدراكهم لعظمتها كان أقوى من إدراكنا.
فالكاشف أمران: عمل المريد، ومقدار درك عظمة المراد [١].
٣- الأفعال الاختياريّة كلّها مسبوقة بالإرادة ومباديها بحكم العقل، والإرادة مخلوقة نفس الإنسان، فإنّ اللَّه سبحانه أودع في نفس الإنسان قوّة خلّاقة تخلق الإرادة قبل كلّ فعل اختياري، ومنه التكلّم، فالمتكلّم يريد- قبل
[١] إذا انجرّ الكلام إلى هنا فلا بأس بذكر أمر إجمالًا حول العصمة:
وهو أنّ العصمة تتحقّق لا محالة للإنسان إذا أدرك واقعيّة المعاصي وعظم خطرها، وبعض مراتب العصمة متحقّقة لنا أيضاً، ألا ترى أنّه لا يمكن لعاقل أن يكشف عورته بمرأى الناس ومنظرهم مع كونه مختاراً فيه، وذلك لأنّه أدرك عظمة قبحه، والمعصومون عليهم السلام حيث أدركوا عظمة قبح جميع المعاصي لم يمكن لهم ارتكابها، ومع ذلك لم يكونوا مسلوبي الاختيار مكرهين على الترك، ولو كنّا نحن أيضاً مدركين عظمة قبحها كما أدركوها لصرنا معصومين، فصدور الغيبة التي هي أشدّ من الزنا منّا دونهم ناشٍ عن عدم إدراكنا قبحها العظيم وإدراكهم ذلك. منه مدّ ظلّه.