اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٣٠٩ - نقد كلام المحقّق الاصفهاني رحمه الله حول الإرادة التشريعيّة
العرفيّة.
نعم، بعض العباد مثل أمير المؤمنين عليه السلام لا يعبدون اللَّه خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنّته، بل وجدوه أهلًا للعبادة فعبدوه، لكنّهم قليلون غاية القلّة.
وبالجملة: البعث ليس علّة للانبعاث، بل هو محقّق لموضوع الإطاعة والعصيان فقط.
ويؤيّده ما ذكره المحقّق الخراساني رحمه الله من أنّه لا يكاد يتعلّق البعث إلّابأمر متأخّر عن زمان البعث، ضرورة أنّ البعث إنّما يكون لإحداث الداعي للمكلّف إلى المكلّف به، بأن يتصوّره بما يترتّب عليه من المثوبة وعلى تركه من العقوبة، ولا يكاد يكون هذا إلّابعد البعث بزمان، فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخّر عنه بالزمان، ولا يتفاوت طوله وقصره فيما هو ملاك الاستحالة والإمكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب [١].
ثمّ الحقّ أنّ عدم انفكاك الانبعاث عن البعث في كلامهم ليس بمعنى تقارنهما زماناً، بل بمعنى كون الانبعاث نحو المبعوث إليه بجميع قيوده، فإذا كان البعث متعلّقاً بأمر استقبالي كما إذا قال يوم الخميس: «أكرم زيداً يوم الجمعة» فعدم الانفكاك يقتضي الانبعاث نحو الإكرام يوم الجمعة، ضرورة أنّ الانبعاث إليه في زمن البعث- وهو يوم الخميس- يستلزم الانفكاك بينهما، لا الانبعاث إليه في يوم الجمعة.
والحاصل: أنّ تصوير الواجب المعلّق لا يستحيل عقلًا بعدما عرفت من بطلان ما استدلّ به المحقّق الاصفهاني رحمه الله لإثبات الاستحالة، وهو أهمّ ما استدلّ به في المقام.
[١] كفاية الاصول: ١٢٩.