اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ١٣٥ - نقد ما أفاده قدس سره
في هذه المسألة أيضاً من الحكم بالاشتغال، مع أنّ الفرض جريان البراءة العقليّة فيها.
وثانياً: الحلّ بأنّ الغرض من الأمر لو كان معلوماً مشخّصاً لكان الأمر كما ذكر صاحب الكفاية، بل عند العلم بالغرض يحكم العقل بتحصيله ولو لم يأمر به المولى أصلًا، كما إذا كان ولده مشرفاً على الغرق، ولم يعلم به المولى كي يأمر بإنقاذه، فيجب على العبد إنقاذه بمقتضى مسألة العبوديّة والمولويّة، ولا يجوز له الإهمال في ذلك معتذراً بأنّ المولى لم يأمره بإنقاذ ولده، فإنّ الأمر أمارة على حصول العلم بالغرض، فإذا كان الغرض معلوماً فلابدّ من تحصيله، وإن لم يأمر به.
وأمّا إذا كان الغرض مجهولًا، كما إذا قال: «جئني بالماء» فجاء العبد بقدح مملوء بالماء وأعطاه إيّاه، ثمّ سقط القدح من يده وانصبّ الماء على صدره، ثمّ شكّ العبد في غرضه من الأمر، هل هو شربه لرفع عطشه حتّى يحتاج إلىالإتيان بماء جديد، أو تبريده بصبّه على جسده، فلم يحتج إليه، لحصول غرضه، فلا يحكم العقل حينئذٍ بالاشتغال ولزوم الإتيان بماء جديد، وما نحن فيه ومسألة الأقلّ والأكثر كلاهما من هذا القبيل، فإنّ الغرض فيهما مجهول لنا، إذ الشارع أمرنا فرضاً بشيء وبيّن له أجزاءً وشرائط، ثمّ شككنا في أنّ الغرض منه هل يحصل بدون قصد الأمر أم لا؟ أو في أنّه هل يحصل بدون إتيان ما شكّ في جزئيّته أو شرطيّته للمأمور به أم لا؟ فلا يحكم العقل في هاتين المسألتين أيضاً بالاشتغال، لأنّا أتينا بمتعلّق الأمر بجميع أجزائه وشرائطه المبيَّنة في كلام الشارع، ونحتمل حصول غرضه بهذا المقدار، واحتمال عدم حصوله لا يكفي في حكم العقل بالاشتغال.
وبالجملة: يستقلّ العقل بالحكم بالبراءة في المقام على جميع التقادير.