اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ١٣٦ - البحث الثاني فيما يقتضيه الاصول العمليّة الشرعيّة
البحث الثاني: فيما يقتضيه الاصول العمليّة الشرعيّة
اعلم أنّه لا ريب في جريان البراءة الشرعيّة في المقام بناءً على المختار من إمكان أخذ قصد القربة في المتعلّق إذا قلنا في البحث السابق بجريان البراءة العقليّة، لأنّه من مصاديق «ما لا يعلمون» فيشمله حديث الرفع.
وأمّا لو قلنا هناك بالاشتغال عقلًا، فهل تجري البراءة الشرعيّة هنا أم لا؟
يمكن أن يقال: إنّ موضوع البراءة الشرعيّة «ما لا يعلمون» وحيث إنّ العقل يحكم بالاشتغال ولزوم الإتيان بقصد القربة عند الشكّ في اعتباره، يمكن أن يكون الشارع أحال أمره عند الشكّ إلى عقولنا، فإنّ بيان الشارع تارةً يكون من طريق الكتاب والسنّة، واخرى من طريق حكم العقل، فإنّ العقل رسول إلهي باطني، فإذا حكم في مورد بالاشتغال فلا يصدق عليه عنوان «ما لا يعلمون» فلا يشمله حديث الرفع.
ولكن يمكن الجواب عنه بأمرين:
أحدهما: أنّه لا يجوز للشارع إحالة أمر قصد القربة إلى عقولنا، لعدم اتّفاق الجميع على حكم العقل بالاشتغال عند الشكّ، فإنّ بعضهم وإن قالوا به في مسألة الأقلّ والأكثر الارتباطيّين التي من مصاديقها الشكّ في اعتبار قصد القربة فرضاً، إلّاأنّ بعضهم الآخر قالوا بالبراءة فيها، ولا يمكن للشارع عدم بيان ما يعتبر في المأمور به اعتماداً على العقول، مع كونها مختلفة.
ثانيهما: فرضنا أنّ أصالة الاشتغال في مسألة الأقلّ والأكثر التي منها ما نحن فيه أمر عقلي بديهي لا يخالفه أحد، ولكن موضوع أصالة الاحتياط هو الشكّ في الحكم الواقعي، والشكّ فيه باقٍ بعد حكم العقل بالاشتغال أيضاً، لاستحالة رفع الحكم موضوع نفسه، فإنّه مستلزم لارتفاع نفس الحكم أيضاً،