اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٤٨٦ - البحث حول ما يقتضيه الأدلّة في المقام
وبالجملة: الجمع بين الدليلين في مثل «صلِّ صلاة الجمعة» و «لا تجب صلاة الجمعة» يقتضي أن يكون الأمر في الدليل الأوّل مستعملًا في الاستحباب من أوّل الأمر، سواء قلنا بكونه حقيقةً فيه أيضاً كما هو الحقّ، أم مجازاً.
بخلاف المقام الذي اريد فيه من الدليل الأوّل الوجوب قطعاً، لكنّ الدليل الثاني ينسخه ويزيل امتداده، وبه يزول الجواز والرجحان اللذان كانا من اللوازم العقليّة للوجوب، فلا معنى للقول باقتضاء الجمع بين الدليلين بقاء الجواز أو الرجحان.
ثمّ إنّ بعضهم تمسّك لإثبات بقاء الجواز بالقسم الثالث من استصحاب الكلّي، وهو ما إذا شكّ في بقاء الكلّي لأجل الشكّ في حدوث فرد منه مقارناً لارتفاع فرده الآخر [١].
وفيه أوّلًا: أنّ جريان الاستصحاب في هذا القسم من الكلّي مختلف فيه، فذهب بعضهم إلى جريانه مطلقاً، وبعض آخر إلى عدمه كذلك، وفصّل ثالث- كالشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله- بين ما يتسامح في العرف، فيعدّون الفرد اللاحق مع الفرد السابق كالمستمرّ الواحد، مثل ما لو علم السواد الشديد في محلّ وشكّ في تبدّله إلى البياض أو إلى سواد أضعف من الأوّل، فيستصحب، وبين غيره، فلايستصحب [٢].
وثانياً: أنّ الجواز بالمعنى الأعمّ ليس حكماً شرعيّاً ولا موضوعاً ذا أثر شرعي، أمّا عدم كونه موضوعاً كذلك فواضح، وأمّا عدم كونه حكماً شرعيّاً
[١] وما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ كلّي الجواز كان موجوداً عند وجود أحد أفراده، وهو الوجوب، ونشكّ بعد النسخ في أنّه هل حدث فرد آخر منه- كالندب أو الكراهة- مقارناً لارتفاعه حتّى يبقى كلّي الجواز، أو تبدّل إلى الحرمة حتّى لا يبقى. م ح- ى.
[٢] فرائد الاصول ٣: ١٩٦.