نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٩٦ - «تحقيق في معرفة المعاد»
عزّ و جلّ يقول فلو لا نفر إلخ:فظاهر صدرها السؤال عن وجوب معرفته و المعذوريّة في تركها و من المظنون قويّا أنّ الاستشهاد بالآية لبيان المعذوريّة بمقدار المسير الّذي هو لازم النّفر في حال الجهل لا لبيان وجوب التّفقّه بالنّفر نعم،بمناسبة الحكم و الموضوع يعلم من الآية أنّ ما كان من الدّين يجب التّفقه فيه فانّ ظاهرها لزوم التّفقه في الدّين حيث انّه من الدّين،و اللّٰه أعلم.
١٧٣-قوله:و مع العجز عنه كان معذوراً إن كان عن قصور إلخ:
تحقيق المقام يستدعى بسطاً في الكلام لا يسعه المجال و ربّما يخرج عن وضع التعليقة و الّذي لا بدّ منه هو انّ الجهل تارة يكون بسيطاً و أخرى مركّباً، و على أيّ تقدير تارة يكون عن قصور،و أخرى عن تقصير،و الكلام،تارة فيما يترتّب عليه من الآثار في هذه النّشأة،و أخرى فيما يترتّب عليه في نشأة أخرى، فنقول:الإيمان مرتَبةٌ منه غيب،و مرتبة منه شهادة،و لهما آثار في عالمي الغيب و الشّهادة،فالإقرار بالشّهادتين الّذي هو وظيفة اللّسان و هو مرتبة من الإيمان بحسب عالم الشّهادة توجب ترتّب آثار كثيرة في هذه النّشأة ممّا يناسبها من طهارة بدنه و حِقن دمه و المناكحة معه و التّوارث و أشباه ذلك،و مع عدم الإقرار لا يترتّب عليه شيء من تلك الآثار سواء كان جاهلاً بسيطاً أو مركباً قاصراً أو مقصّراً،إذ هذه الآثار لمرتبة من الإيمان لا من آثار مرتبة أخرى منه،و ليس الكلام فيه هنا بل الكلام في مرتبة غيب الإيمان المنوط بالمعرفة و مقابلها الجهل،و آثار الإيمان بهذه المرتبة استحقاق الخلود في النّعيم و عدم الخلود في الجحيم بخلاف الكفر،و هذه آثار عالم الغيب و من لوازم مرتبة غيب الإيمان.
و لتحقيق المقام من هذه الحيثيّة ينبغي تقديم مقدّمات:
منها:أنّ الإيمان بمعنى المعرفة يقابله الكفر بمعنى الجهل تارة بتقابل العدم و الملكة و أخرى بتقابل التّضاد،فالجهل البسيط ممّن شأنه أن يعلم و يعرف مقابل للعلم بتقابل العدم و الملكة،و الجهل المركّب المتقوّم باعتقاد غير الحقّ يقابل الاعتقاد بالحقّ بتقابل التّضاد،فما عدا الإنسان من الحيوان و غيره ليس من شأن نوعه أن يعلم فليس له جهل يقابل العلم بتقابل العدم و الملكة،و نوع الإنسان على أصناف:
فصنف منه:أيضا ليس من شأنه بما هو صنف أن يعلم و يعرف كالمجانين