نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣١٤ - حقيقة الأحكام العقليّة
عقلاء،و هو الّذي يصحّ التّعبير عنه بالتّأديبات الصّلاحيّة.
فانّ الحكم بالمدح و الذّم على العدل و الظّلم موجب لما فيه صلاح العامّة، دون المدح و الذمّ المترتّب عليهما لداع حيواني،فانّهما لا يترتّب عليهما مصلحة عامّة،و لا يندفع بهما مفسدة عامّة،فالاقتضاء لهذا المعنى ليس محلّ الكلام و ثبوته وجداني.
و الاقتضاء بالمعنى الثّاني هو محلّ الكلام بين الأشاعرة و غيرهم،و ثبوته منحصر في الوجه المشار إليه مراراً من أنّ حفظ النّظام و بقاء النّوع المشترك بين الجميع محبوب للجميع و خلافه مكروه للجميع،و هو يدعو العقلاء إلى الحكم بمدح فاعل ما فيه المصلحة العامّة و ذمّ فاعل ما فيه المفسدة العامّة،و على ما ذكرنا فالمراد بأنّ العدل يستحقّ عليه المدح و الظّلم يستحقّ عليه الذمّ هو أنّهما كذلك عند العقلاء و بحسب تطابق آرائهم لا في نفس الأمر كما صرّح به المحقّق الطّوسي-قدّه- [١]حيث.
قال:إنّ المعتبر في الضّروريات مطابقتها لما عليه الوجود،و المعتبر في هذا القسم من المشهورات كون الآراء عليها مطابقة.
و قال:في مورد آخر [٢]،و ذلك لأنّ الحكم إمّا أن يعتبر فيه المطابقة للخارج أولا، فإن اعتبر و كان مطابقاً قطعاً فهو الواجب قبولها و إلاّ فهو الوهميّات و ان لا يعتبر فهو المشهورات:إلخ و عليه فمن الغريب ما عن المحقّق الحكيم السّبزواري في شرح الأسماء [٣]من دخول هذه القضايا في الضروريّات و انّها بديهيّة و«أنّ الحكم ببداهتها أيضا بديهي،و أنّ جعل الحكماء إيّاها من المقبولات العامّة الّتي هي مادّة الجدل لا ينافى ذلك،لأنّ الغرض منه التّمثيل للمصلحة أو المفسدة العامّتين المعتبر فيه قبول عموم النّاس لا طائفة مخصوصين،و هذا غير مناف لبداهتها،إذ القضيّة الواحدة يمكن دخولها في اليقينيّات و المقبولات من جهتين،فيمكن اعتبارها في البرهان و الجدل باعتبارين بهذه الأحكام من العقل .
[١] -الإشارات:ج ١،ص ٢٢١
[٢] -الإشارات:ج ١،ص ٢١٣.
[٣] -شرح الأسماءِ للحكيم السّبزواري-قدّه-:ص ٣٢٢-٣٢١،بتحقيق الدكتور نجفقلي حبيبي.