نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣١٣ - حقيقة الأحكام العقليّة
مشتملاً على مفسدة عامّة يختلّ بها النّظام،و لذا عمّ الاعتراف بهما من الجميع أمر مدرك بحسب تفاوت أفراد الإحسان و الإساءة من حيث تعلّقهما بما يناسب قوّة من القوى.
و كذا كون كلّ عاقل محبّا لنفسه و لما يرجع إليه وجداني يجده كلّ إنسان من نفسه،و كذا كون كلّ مصلحة ملائمة للشخص و كلّ مفسدة منافرة له أيضا وجداني يجده كلّ إنسان عند مساس المصلحة و المفسدة به،فلا محالة يحبّ الإحسان و يكره الإساءة،و هذا كلّه من الواقعيّات و لا نزاع لأحدٍ فيها،انّما النّزاع في حسن العدل و قبح الظلم بمعنى صحّة المدح على الأوّل و صحّة الذمّ على الثّاني،و المدّعى ثبوتهما بتوافق آراء العقلاء لا ثبوتهما في الفعل على حدّ اشتماله على المصلحة و المفسدة.
و من الواضح:أنّ اقتضاء الفعل المحبوب و الفعل المكروه للمدح و الذّمّ على أحد نحوين:
إمّا بنحو اقتضاء السّبب لمسبّبه و المقتضى لمقتضاه،أو بنحو اقتضاء الغاية لِذي الغاية.
فالأوّل:فيما إذا أساء إنسان إلى غيره،فانّه بمقتضى ورود ما ينافره عليه و تألّمه منه ينقدح في نفسه الدّاعي إلى الانتقام منه و التّشفي من الغيظ الحاصل بسببه ذمّه و عقوبته،فالسببيّة للذّم هنا واقعيّة و سلسلة العلل و المعلولات مترتّبة واقعاً.
و الثاني:فيما إذا كان الغرض من الحكم بالمدح و الذّم حفظ النّظام و بقاء النّوع بلحاظ اشتمال العدل و الإحسان على المصلحة العامّة و الظلم و العدوان على المفسدة العامّة فتلك المصلحة العامّة تدعو إلى الحكم بمدح فاعل ما يشتمل عليها و تلك المفسدة تدعو إلى الحكم بذمّ فاعل ما يشتمل عليها،فيكون هذا التّحسين و التقبيح من العقلاء موجباً لانحفاظ النّظام و رادعاً عن الإخلال به، و ما يناسب الحكم العقلائي الّذي يصحّ نسبته إلى الشارع بما هو رئيس العقلاء هو القسم الثّاني،دون الأوّل الّذي لا يناسب الشّارع بل لا يناسب العقلاء بما هم