نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٣٠ - «الأمر الثاني في إمكان التعبّد بالأمارة وقوعاً»
جهات التعبّد بالأمارة كي ينقلب عمّا هو عليه من صفة القبح،و اشتمال المؤدّى على مصلحة يتدارك بها خلف على فرض الطّريقيّة،مع أنّه غير لازم إلاّ لاتّصاف التّعبّد بصفة الحسن،و هو غير موقوف على وجود ما يتدارك به،لإمكان جهة أخرى في نفس التّعبّد كما إذا كان في التّعبّد به صَرف العبد عن تحصيل العلم الّذي فيه كلفة و مفسدة غالبة على ما يفوته من المصلحة أو ما يقع فيه من المفسدة،فجهة الحُسن في التّعبّد الصّارف عن تحصيل العلم أقوى من جهة القبح لتفويت مصلحة الواقع أو للإلقاء في المفسدة،و ممّا ذكرنا تقدر على دفع شبهة لزوم نقض الغرض من التعبّد بالظّنّ.توضيحه:أنّ المراد بالغرض إن كان الغرض من الواجب و الحرام أي المصلحة و المفسدة،فمرجع الإشكال إلى لزوم تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة.و قد عرفت الجواب.
و إن كان المراد الغرض من الإيجاب و التحريم أي البعث و الزّجر أي جعل الدّاعي إلى الفعل أو التّرك فهي شبهة قويّة.
و الجواب عنها أنّ مفاد دليل التعبّد إن كان حكماً طريقيّاً،فمن الواضح أنّ تنجيز الواقع يؤكّد جعل الدّاعي،و التعذير عن مخالفة الواقع ليس منافياً لجعل ما يمكن أن يكون داعياً بالفعل،لأنّ جعل المكلّف معذوراً في المخالفة لا يسقط ما يمكن أن يكون داعياً عن إمكان دعوته حقيقة،و لذا لو حصل له العلم به من باب الاتّفاق لم يكن مانع عن فعليّة دعوته.
و بالجملة كون المكلّف معذوراً و إن كان يوجب عدم قيامه مقام تحصيل العلم حتّى يتحقّق فعليّة ما يمكن دعوته،لكنّه يمنع عن فعليّة الدّعوة لا عن إمكان الدعوة،و ما هو شأن البعث جعل ما يمكن أن يكون داعياً لا جعل ما هو داع بالفعل،و إن كان مفاد الدّليل حكماً حقيقيّاً كالحكم الواقعي فالإشكال إنّما يرد إذا كان الغرض من الواجب بحدّ يوجب قيام المولى مقام جعل الدّاعي و إيصاله ليتحقّق الدّعوة بالفعل،و لو بالأمر بالاحتياط،أو بنصب طريق موافق،أو إذا كان الغرض بحدّ بحيث إذا وصل عادة يكون الأمر محرّكاً،فانّ جعل الدّاعي الواصل إلى خلافه سدّ باب وصول العادي،ففي هاتين الصّورتين يلزم نقض الغرض.