نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٩٤ - «تحقيق في معرفة المعاد»
فلأنّ العبادات كما مرّ سابقاً توجب صقالة مرآة النّفس بتكرّرها فيتجلّى المعارف و صور حقائق الأشياء كلّها فيها بمقدار صفاء المادّة و قبولها لإفاضة الصّور العلميّة من واهب الصّور.
و امّا التقريب الثّاني:فلأنّ المعرفة و إن كانت بنفسها غاية للخلق لا انّها من حيث كونها غاية للعبادة إلاّ أنّ من البديهي أنّ غاية خلق الخلق ليست المعرفة بذلك المقدار اللاّزم في باب الخلود وجوداً و عدماً،كيف و إلاّ لزم في تشريع الشّرائع و الأحكام الاقتصار على الإلزام بذلك المقدار،بل المعارف بمراتبها -سواءً حصلت بمقدّمات برهانيّة أو بغيرها أو بالمواظبة على الطّاعات كلّها- غاية مقصودة و متعلّقة للغرض على التّفصيل المتقدّم،فالآية بناء على هذا التّقريب مسوقة لبيان أنّ المهمّ في نظره(تعالى)من خلق العباد حصول المعرفة منهم بمراتبها كما قيل أنّ الأعمال مقدّمة للأحوال و انّ الأحوال مقدّمة للمعارف، لأنّ الباقي في النّشأة الآخرة هي النّفس بما لها من الهيئات النّورانيّة أو الظّلمانيّة و الحركات الأينيّة و الوضعيّة و الألفاظ الغير القارّة لا قرار لها في هذه الدّار فضلاً عن تلك الدّار،و عليه فلا دلالة للآية على وجوب خصوص معرفة كما لا دلالة على وجوب عمومها.
ثمّ اعلم أنّ لازم كون العبادة بنفسها أو المعرفة كذلك غاية لخلق الجنّ و الأنس أن تكون الغاية ضروريّة الحصول لا ضروريّة التّحصيل.
و الكلام في الثّانية مع أنّ الأُولى غير مترتّبة أيضا إلاّ بالرّجوع إلى العبادة الذّاتيّة و المعرفة بمعنى التّجلي الأفعالي و هو خلف،و يندفع الإشكال بأنّ المراد حصول المعرفة و العبادة تسبيباً و تشريعاً لا تكويناً كما دلّت عليه الرّوايات الواردة من أهل بيت الوحي و التنزيل(سلام اللّٰه عليهم)،فعن الصّادق عليه السلام انّه سئل عن هذه الآية،فقال عليه السلام خلقهم ليأمرهم بالعبادة قيل قوله تعالى (وَ لا يزالُونَ مختلفين إلاّ مَنْ رَحِم رَبِّك و لذلك خلقهم [١])قال خلقهم ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم [٢]،و في تفسير عليّ بن إبراهيم
[١] -هود:الآية ١١٨.
[٢] -البرهان في تفسير القرآن:ج ٤،ص ٢٣٨،ح ١.