نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٨٦ - التّحقيق في الإمامة و وجوب معرفتها
طلب العالي للسّافل و الحركة من الكمال إلى النّقص،و كما أنّ النّزول من الأعلى إلى الأدنى فالصعود من الأدنى إلى الأعلى،فكلّ نوع دان لأجل نوع عال.
فمن الهيولى إلى الصّورة الامتداديّة الجوهريّة الجسميّة و منها إلى النّبات و منه إلى الحيوان و منه إلى الإنسان فكذا افراد النّوع الإنسان بسبب تفاوت نفوسه في الاستكمال العقلاني كالأنواع المختلفة فإفاضة الوجود على هذه المختلفات لأجل وجود النّوع الكامل منه،فالإنسان الكامل في كلّ ساعةٍ و آنٍ هي الغاية القصوى من إفاضة الوجود على جميع الأكوان،و مقتضى قاعدة العلّيّة و المعلوليّة عدم بقاء سائر الأكوان بفرض عدم بقاء الغاية المقصودة من وجودها، و لذا وَرَد في غير واحد من الأخبار [١]أنّ الأرض لو بقيت بلا إمام لساخت أي لانخسفت هذا من حيث الوساطة بنحو العلّة الغائيّة.
و امّا بنحو العلّة الفاعليّة:أي فاعل ما به الوجود لا ما منه الوجود،فلما تقرّر في محلّه من وساطة العلوم الطّوليّة من الفواعل الجبروتيّة و الملكوتيّة لعالم الملك و الطّبيعة بمقتضى قاعدة الإمكان الأشرف،و من انتهاء كلّ فاعل عقلي و نفسي إلى ما يحاذيه في سلسلة الصّعود،فكلّ فاعل في البدايات له غاية في النّهايات و يتّحد ذو الغاية بالغاية عند انتهاء الدّائرة و اتّصال قوس الصّعود بقوس النزول فالإنسان الكامل المحمّدي صلى الله عليه و آله في هذه الدّائرة العظيمة،و غيره من النّفوس القدسيّة في سائر الدّوائر بلحاظ اتّحاده بالفواعل العالية واسطة في الإفاضة بروحانيّتها و نورانيّتها،فالالتزام بعدم ما ينتهى إليه الدّائرة التزام بعدم ما تبتدأ به، و الالتزام بعدم التزام بعدم فاعل ما به الوجود فيوجب الالتزام بعدم سائر العوالم الّتي هي في طول هذا العالم،و بقيّة الكلام في محلّه.
و منه يظهر أنّ العمدة في وجوب وجود الحجّة عجّل اللّٰه فرجه ،انتظام نظام التّكوين بوجوده المقدّس و إن لم ينتفع بعلومه و معارفه و أخلاقه،و لعلّه المراد ممّا ورد عنه [٢]عجّل اللّٰه فرجه من أنّ الانتفاع به في غيبته كالانتفاع بالشّمس مع استتارها بالسّحاب عن الحسّ،فكما أنّ السّحاب لا يمنع إلاّ عن رؤية جِرمها
[١] -أصول الكافي:ج ١،ص ١٧٩،ح ١٠.
[٢] -بحار الأنوار ج ٥٢٠ ص ٩٢ ح ٧.و الاحتجاج للطبري ج ٢ ص ٢٨٤.