نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٦٨ - في الاستدلال بالعقل لأصالة البراءة
المحتملة لئلا يقعوا فيها لا يقتضى إلاّ الوقوع فيها مع عدم الفرار،مع أنّ الكلام هنا الوقوع في العقاب بإقدامه على الضّرر المحتمل ليكون بياناً وارداً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان،فهذا الشق و الشّق الأوّل متعاكسان،فهناك يكفى نفس احتمال العقاب سواء التزم بدفعه العقلاء أم لا،و هنا لا يكفى التزامهم بدفعه بل لا بدّ من إثبات الذّم عليه عقلاً حتّى يستحقّ العقاب عليه شرعاً،و حينئذٍ نقول إنّ حكم العقل بدفع المفسدة،إمّا من حيث عنوان المفسدة لأنّ المذموم عندهم ليس إلاّ باعتبار كونه ذا مفسدة،و إمّا من حيث عنوان الضّرر كما هو مفروض المقام و ظاهر قاعدة دفع الضّرر المحتمل.
أمّا من حيث عنوان المفسدة فقد بيّنا في مبحث الظّن [١]عند التعرّض للتّحسين و التّقبيح العقليين،أنّ المصلحة و المفسدة الملحوظتين في التّحسين و التّقبيح العقليين هي المصالح العامّة و المفاسد العامّة بمعنى أنّ العدل حيث إنّه بنوعه ينحفظ به النّظام كان حسناً و أنّ الظّلم حيث إنّه بنوعه يختلّ به النّظام كان قبيحاً،فمصلحة انحفاظ النّظام و مفسدة اختلاله من حيث نوعي العدل و الظّلم هي الموجبة للبناء على مدح فاعل العدل و ذمّ فاعل الظّلم،و من الواضح أنّ مصالح الأحكام الشّرعيّة و مفاسدها لا تجب أن تكون انحفاظ النّظام و اختلاله بل مصالح خاصّة أو مفاسد خاصّة ربّما تختلف من حيث الأشخاص و الأحوال و الأزمان،فالصّلاة مثلاً،و إن كانت من حيث كونها تعظيماً للمولى حسنة لأنّها إحسان إلى المولى إلاّ أنّ وجوبها الشّرعي ليس من حيث كون الإحسان إلى المولى و الانقياد له ممّا ينحفظ به النّظام بل من حيث إنّها حركات خاصّة توجب استكمال نفس العبد مثلاً،و هكذا سائر الواجبات،و كذا الأمر في مفاسد المحرّمات فإنّها لا توجب بنوعها اختلال النّظام و قد بيّنا في مسألة الملازمة بين حكمي العقل و الشّرع في البحث عن حجيّة الظّن من باب الحكومة أو الكشف تفصيل ذلك و معنى الملازمة فراجع [٢]،و أمّا من حيث عنوان الضّرر نظراً إلى أنّ المفاسد مضارّ واقعيّة و العقل يحكم بدفعها بل لعلّ المضار الدنيويّة هي .
[١] -التعليقة:ص ٣١٢
[٢] -التعليقة:ص ٣٢٠.