تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٥٦٩ - الموضع الثاني في حال الأخبار الواردة في مخالفة العامّة
فتلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّ المرجِّح في تعارض الخبرين ينحصر في أمرين: أحدهما موافقة الكتاب، الثاني مخالفة العامّة.
و ذكر (عليه السلام) في مصحَّحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللَّه: أوّلًا الترجيح بموافقة الكتاب، و مع عدم وجوده فيه فالعرض على أخبار العامّة، فتدلّ على الترتيب بينهما، و هي حاكمة على جميع الإطلاقات الواردة فيهما، و ينحلّ بها الإشكال المتقدّم عن شيخنا الحائري (قدس سره) من تعارض إطلاقي هاتين الفرقتين من الروايات.
و قد تقدّم: أنّ خبر التخيير منحصر في خبر ابن الجهم، و هو بقرينة ذكر الترجيح بموافقة الكتاب أوّلًا ثم الحكم بالتخيير، يدلّ على أنّ مورد التخيير هو غير صورة موافقة أحد الخبرين للكتاب، فلا يلزم فيه حينئذٍ إلّا تقييد واحد، و هو تقييد الحكم بالتخيير بغير صورة مخالفة أحدهما للعامّة و موافقة الآخر لهم.
نعم ذكر في ذيل المقبولة- بعد ذكر موافقة الكتاب و موافقة العامّة- مرجِّحاً آخر، و هو ما كان حكّامهم إليه أميل؛ بناءً على أنّ ذيلها وارد في الخبرين المتعارضين، فهو مرجِّح ثالث، فيقيّد به الحكم بالتخيير أيضاً، و لكن تقدّم الإشكال في ارتباط ذيل المقبولة بالمتعارضين.
و ورد في بعض الأخبار الأمر بالأخذ بأحدثهما و نحو ذلك، لكن الظاهر أنّه و أمثاله أيضاً غير مرتبط بباب المتعارضين و المرجّحات في زمان الغيبة، بل هو إشارة إلى أنّه قد يصدر منهم (عليهم السلام) ما ليس حكماً واقعيّاً، بل صدر تقيّة أو لاقتضاء بعض المصالح ذلك، و يؤيّده: أنّ في بعضها قوله (عليه السلام):
(أبى اللَّه إلّا أن يعبد سرّاً)
[١]، أو
(التقيّة من ديننا)
[٢].
[١]- الكافي ٢: ١٧٣/ ٧، وسائل الشيعة ١٨: ٨٠، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ٩، الحديث ١٧.
[٢]- الكافي ٢: ١٧٤/ ١٢، وسائل الشيعة ١١: ٤٦٠، كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، أبواب الأمر و النهي و ما يناسبه، الباب ٢٤، الحديث ٣.