تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢٥٤ - المناط في تشخيص وجود الموضوع
عقلًا، فلا تتّحد القضيّتان فيما لو احتمل دَخْل الزمان أو المكان في موضوع الحكم الأوّل، كما لو فرض حلّيّة شرب الخمر في ابتداء الإسلام؛ لعدم بسط يد الشارع كاملًا فيه، فمع هذا الاحتمال ففي الزمان اللّاحق ليس الموضوع فيه ذاك الموضوع؛ لانتفاء الزمان الأوّل فيه، فلو كان المناط في اتّحاد القضيّتين هو نظر العقل، انسدّ باب الاستصحاب في الأحكام حتّى في الشكّ في النَّسْخ؛ لما عرفت من احتمال دَخْل الزمان الأوّل في الموضوع عقلًا، المفقود في الزمان اللّاحق، فلا تتّحد القضيّتان موضوعاً.
فإن قلت: خصوصيّة الزمان ملغاة في باب الاستصحاب.
قلت: مرجع ذلك: أنّ الملاك فيه ليس اتّحاد القضيّتين عقلًا، و عدم اعتبار تحقّق الموضوع فيه عند العقل، و هكذا الكلام في كثير من الاستصحابات الموضوعيّة، فلو كان المناط فيها بقاء الموضوع بنظر العقل لزم عدم جريان تلك الاستصحابات، كما في استصحاب الكرّيّة عند نقصان قدر يسير منها في الحال اللّاحق، فإنّ الموضوع بحسب الدِّقّة العقليّة غير محفوظ، بخلاف ما لو قلنا: إنّ المناط فيه نظر العرف أو لسان الدليل، فإنّه لا يستلزم هذا الإشكال، و هو واضح لا إشكال فيه.
و إنّما الإشكال في الفرق بين كون الملاك هو نظر العرف أو لسان الدليل؛ حيث إنّ الأدلّة المتكفّلة لبيان الأحكام منزّلة على الفهم العرفي و نظر العقلاء.
و يمكن أن يقال: إنّ الفرق بينهما أيضاً واضح، فإنّه لو قلنا: إنّ الملاك هو لسان الدليل، فلا بدّ من ملاحظة الأدلّة الاجتهاديّة، و كلّ عنوان اخذ فيها موضوعاً فهو الموضوع بمعناه العرفي، فلا بدّ في حفظه من صدق ذلك العنوان عليه مثل عنوان «العالم» في «أكرم العالم» و صدق «العنب» في قوله (عليه السلام):
(العصير إذا نشّ أو غلا يحرم)
[١] و نحو ذلك، فلو زال علمُ مصداقٍ من العلماء أو صار العنب زبيباً، فليس
[١]- الكافي ٦: ٤١٩/ ٤، تهذيب الأحكام ٩: ١٢٠/ ٥١٥، وسائل الشيعة ١٧: ٢٢٩، كتاب الأطعمة و الأشربة، أبواب الأشربة المحرّمة، الباب ٣، الحديث ٤.