تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢٨٣ - المقام الثاني وجه تقديم الاستصحاب على الاصول
قوله (عليه السلام):
(الناس في سعة ما لا يعلمون)
، و حديث الرفع و نحوه ممّا علّق الحكم بالبراءة فيه على عدم العلم، و ما أفاده (قدس سره) لا يستقيم في هذه الأدلّة.
فالتحقيق: أن يقال: إنّ لسان أدلّة البراءة الشرعيّة هو تعيين الوظيفة للمكلّفين عند الشكّ في الحكم الواقعي، فمفادها أحكام ظاهريّة، كأصالتي الحلّيّة و الطهارة عند الشكّ فيهما و عدم العلم بالحكم الواقعي منهما، و ليس مفادها الحكم الواقعي و تعيينه، كما في الأمارات.
و أمّا قوله (عليه السلام):
(لا ينقض اليقين ...)
إلى آخره، فإن قلنا: إنّ مفاده هو أنّ العلم و اليقين متحقّق و موجود تعبّداً، و أنّه على يقين بحكم الشارع في ظرف الشكّ، فهو من أوضح أفراد الحكومة على البراءة الشرعيّة؛ حيث إنّ موضوعها- الذي هو الشكّ في الحكم الواقعي و عدم العلم به- يرتفع بالاستصحاب تعبّداً، و على تقدير إرادة عدم الحجّة من الشكّ و عدم العلم في أدلّة البراءة، فنتيجة هذه الحكومة هي الورود.
و إن قلنا: إنّ مفاد
(لا ينقض)
هو النهي عن النقض العملي و حرمته، و البناء العملي على بقاء ما كان، فإن استفيد منه عرفاً حرمة نقض ما كان بعنوانه الواقعي، لا نفس عنوان اليقين، و لا المتيقَّن بما هو متيقَّن، فالاستصحاب حينئذٍ حجّة على الواقع، فإن اريد من عدم العلم في أدلّة البراءة، مثل
(الناس في سعة ما لا يعلمون)
هو عدم الحجّة، فالاستصحاب حينئذٍ حاكم أيضاً على أدلّة البراءة الشرعيّة، و نتيجة هذه الحكومة هي الورود أيضاً؛ لتحقّق الغاية المأخوذة في أدلّة البراءة المتكفّلة لبيان جعل الوظيفة، و هي عدم الحجّة بالاستصحاب.
و إن اريد من عدم العلم في أدلّة البراءة- مثل
(ما لا يعلمون)
[١]- العلمُ الوجداني لا عدم الحجّة، فالاستصحاب حاكم على أدلّة البراءة أيضاً، لكن ليس نتيجتها الورود؛ لعدم حصول العلم الوجداني بالاستصحاب.
[١]- التوحيد: ٣٥٣/ ٢٤، الخصال: ٤١٧/ ٩، وسائل الشيعة ١١: ٢٩٥، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب ٥٦، الحديث ١.