تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٦٢٠ - تحقّق الاجتهاد المتعارف في عصرنا في زمان الأئمة
و استنباط الأحكام، و لا ريب في أنّ الاستنباط بهذا المعنى- أي من الكتاب و السُّنّة و بعض القواعد، كالاستصحاب و قواعد التعارض، مثل عرض المتعارضين على الكتاب و السُّنّة، و اختيار ما وافقهما و ما يخالف العامّة، و طرح ما خالف الكتاب و السُّنّة، و الترجيح بالشهرة، و نحو ذلك- كان متعارفاً و متحقّقاً في أعصار الأئمة (عليهم السلام) بلا ريب و إشكال؛ لأنّه من المعلوم عدم تمكّن كلّ أحد في عصرهم (عليهم السلام)- كالذين في البلاد البعيدة عنهم (عليهم السلام)- من السؤال منهم و الحضور عندهم، مع شدّة احتياجهم إلى السؤال من أحكامهم و معالم دينهم، و لم يمكن معرفتها حينئذٍ إلّا بالتوغّل في الأخبار المنقولة عنهم (عليهم السلام)، و ملاحظة قواعد التعارض بينها، كما وقع السؤال فيها منهم (عليهم السلام) و إرجاعهم مواليهم و شيعتهم إلى فقهائهم في ذلك الزمان.
نعم الفروع في هذه الأزمنة أكثر من الفروع في ذلك العصر.
و يشهد لذلك- أي تحقّق الاستنباط و الاجتهاد بهذا المعنى في أعصارهم (عليهم السلام)- الأخبار الكثيرة الناهية عن الفتوى بغير علم [١]، فيستفاد منها جواز الفتوى بالعلم المستفاد من الكتاب و السُّنّة، في مقابل الفتوى على وفق القياس و الاستحسانات العقليّة، لا العلم الوجداني، فيظهر منها تحقّق الفتوى عن علم في زمانهم (عليهم السلام)، و لا يمكن الفتوى إلّا بالاجتهاد و النظر.
و منها: الأخبار الناهية عن الحكم بغير ما أنزل اللَّه [٢]، فتدلّ على جواز الحكم بما أنزل اللَّه، و تمييز ما أنزل اللَّه تعالى عن غيره لا يمكن إلّا بالاجتهاد و النظر، و إلّا فمجرّد نقل الحديث لا يفيد ذلك.
و منها:
ما رواه ابن إدريس في «آخر السرائر»، نقلًا عن كتاب هشام بن سالم،
[١]- وسائل الشيعة ١٨: ٩، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ٤.
[٢]- الكافي ٧: ٤٠٧ انظر باب من حكم بغير ما أنزل اللَّه، وسائل الشيعة ١٨: ١٧، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ٥.