تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٧٨ - شتت شتت
و شَتّانَ ما بينَ أَخِيه و أَبيه. فمَنْ قال شتّانَ ، رفَعَ الأَخ بشَتّانَ ، و نَسَقَ الأَبَ على الأَخ، و فَتح النُّونَ من شَتّانَ ، لاجتماع السّاكنين، و شبَّههما بالأَدوات، و من قال: شَتّانَ ما عمرٌو، رَفَعَ عَمْراً بشَتّانَ ، و أَدخلَ «ما»صِلَةً، كذا في اللّسان. و نقل مثلَ ذلك شيخُنا عن اللَّبْلِيّ في شرح الفصيح، أَي: بَعُدَ ما بَيْنَهُما هذا على أَنّه اسمُ فعلٍ ماضٍ، بمعنى بَعُدَ، و لذلك بُنِيَ على الفتح، لأَنّه نائبٌ عن الماضي الّذي هو لازمٌ للفتح دائماً. و فسَّره جماعةٌ بافْترَقَ، و هو الّذِي عليه كثيرُونَ و لذلك اشترطُوا في فعلة التَّرَدُّدَ. و ذهبَ جماعةٌ إِلى أَنّه مَصدرٌ، و هو الّذي، جزمَ به المَرْزُوقِيّ، و الهَرَويّ في شرح الفصيح، و الزَّجّاجُ، و غيرُ واحدٍ، قاله شيخُنا.
و قد تُكْسَرُ النُّونُ، عن الفرّاءِ، كما نقلَه الصّاغانيّ، مصْرُوفَةً عن: شَتُتَ ، ككَرُم، فالفتحة الّتي في النُّون، هي الفتحة الّتي[كانت] [١] في التّاءِ، و تلك الفتحةُ تَدُلُّ على أَنّه مصروفٌ عن الفعل الماضي. و كذلك: وَشْكانَ، و سَرْعَانَ، مصروفٌ من: وَشُكَ و سَرُعَ، تقول: وَشْكَانَ ذا خُروجاً، و سَرْعَانَ ذا خُرُوجاً؛ و أَصلهُ: وَشُكَ ذا خُرُوجاً، و سَرُعَ ذا خُروجاً. روَى ذلك كلَّه ابْنُ السِّكِّيت، عن الأَصمعيّ.
و قال أَبو زيد: شَتّانَ : منصوب على كلّ حال، لأَنَّه ليس له واحدٌ. ثمّ إِنّ كسر نُون شَتّانَ ، نقله ثعلب عن الفَرّاءِ.
و ظاهرُ كلام الرَّضِيّ أَنّه رأَيٌ للأَصمعيّ أَيضاً، فإِنه وَجَّهَ في شرح الكافية اختيارَ الأَصمعيّ، و منْعَهُ: شَتّانَ ما بَيْنَ، بأَمرينِ: الأَوّل: أَنّه ورَدَ شَتّانِ ، بكسر النّون؛ و الثّاني: أَنّ فاعلَه لا يكونُ إِلاّ متعدّداً، كما هو ظاهرُ الاستعمال. و فسَّره بافْتَرقَ، و افتعلَ كتفاعلَ، لا يكونُ فاعِلُه إِلاّ مُتَعَدِّداً.
و في شرح الفصيح، لابنِ دُرُسْتَوَيْه: تُكْسَرُ نونُ شَتَّانَ إِذا ذهبَ إِلى أَنّ المعنى لَمّا كان للاثنينِ ظنّ أَنّ شَتّانَ مثنًّى، فكسرَه، و العربُ كلُّهَا تفتحهُ، و لم يُسْمَعُ بمصدرٍ مُثَنًّى، إِلاّ إِذا اختلف، فصار جِنسينِ، و ذََلك أَيضاً قليلٌ في كلامهم.
قال: و يَلزَمُ الفَرّاءَ إِنْ كان اثنينِ أَنْ يقولَ فيه، في موضع النَّصب و الجَرّ، شَتَّيْنِ، بالياءِ، و هََذا لا يُجِيزُه عربيّ و لا نحويّ. و نقله أَبو جعفرٍ اللَّبْلِيّ. قال شيخنا: و ظاهرُ كلام شُرّاح الفصيح و غيرهم في [٢] أَنَّ الفرّاءَ إِنّما حكى في نونِ شتّان الكسْرَ فقط، و أَنَّهُ مُثنَّى شتّ ، و هو الّذي جزمَ به ابنُ دُرُسْتَوَيْه كما مَرَّ، و نقله اللّبْلِيُّ و سَلَّمه، و ليس الأَمْر كذلك، فإِنّ المعروف أَنَّ الفرّاءَ إِنّما حكى الكسرَ لُغةً في الفتح.
قال في تفسيره، عندَ قوله تعالى: مََا هََذََا بَشَراً [٣] : أَنشد بعضُهُم:
لشتّان ما أَنْوِي وَ ينْوِي بَنُو أَبِي # جَمِيعاً فما هََذانِ مُسْتوِيان
تَمنَّوْا لِيَ [٤] المَوْتَ الَّذِي يَشْعَبُ الفَتَى # و كُلُّ فتًى و المَوْتُ يَلْتقِيَانِ
قال الفرّاءُ: يُقالُ: شتّانَ ما أَنْوِي، بنصب النُّون و خفضها. هََذا كلامُه، و كذا نقل الصّاغانيُّ في العُبَاب عنه: أَنّ كسر النُّون لُغةٌ في فتحها [٥] ، و ليس فيه ما زعمَه ابنُ دُرُسْتَوَيْه، و به يَسقُط تَرديدُ الهَرَويِّ في شرح الفصيح لِما قال: و الأَصلُ قولُ الفرّاءِ، فإِنّه يجوز أَن تكون النّون على أَصل التقاءِ السّاكنيْنِ و يجوزُ أَنْ يكون تثنِيَةَ شتٍّ ، و هو: التَّفرُّق.
قال شيخُنا: و زعَم ابنُ الأَنْبَارِيّ في الزَّاهر [٦] : لا يجوزُ كسر النُّون في: شَتَّان ما بَيْنَ أَخِيكَ و أَبيكَ، قال: لأَنَّها رفَعَت اسماً واحداً [٧] ، و يجوز كسرُها في غيره، و هو: شتّان أَخُوك، و شتّان ما أَخُوك و أَبُوك، فيجوزُ في هذا كسرُ النّون، على أَنَّه تَثنيةُ شَتٍّ [٨] ، هََذا كلامُه، و فيه ما لا يَخْفى. ثم قال: و شتّانَ اسمُ فعْل على الصَّحيح.
و قال ابنُ عُصْفُورٍ في شرح الإِيضاحِ: و هو ساكنٌ في الأَصل، إِلاّ أَنَّه حُرّك لالْتِقاءِ السّاكنيْن. و كانت الحَرَكةُ فتْحَةً، إِتْبَاعاً لِما قبلها، و طَلباً للخفَّة، و لأَنّه واقعٌ موقع الماضي، و هو مبْنِيُّ على الفتح، فجُعِلت حركتُه كحَركتِه.
[١] زيادة عن التهذيب و اللسان و الصحاح.
[٢] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله في أن الخ لعل الظاهر اسقاط في».
[٣] سورة يوسف الآية ٣١.
[٤] في الأصل «تمنوا إلى»و ما أثبتناه المناسب.
[٥] و مثله في التكملة.
[٦] و مثله في اللسان.
[٧] في اللسان: رفع ما بشتان على أنها بمعنى الذي، و بين صلة ما و المعنى شتان الذي بين أخيك و أبيك.
[٨] زيد في اللسان: و الشتّ المتفرق، و التثنية: شتان و جمعه أشتات.