تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٠١ - فلت فلت
وَ يَوْمَ مَوْتِهِ بالفَلْتَةِ في وقوع الشَّرِّ من ارتدادِ العَرَبِ، و تَوَقُّفِ [١] الأَنْصَارِ عن الطَّاعَةِ، و مَنْعِ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، و الجَرْيِ على عَادَةِ العَرَبِ في أَن لا يَسُودَ القبيلَةَ إِلاّ رَجُلٌ مِنْهَا.
و نَقَل ابنُ سِيدَه عن أَبي عُبيدٍ: أَراد: فَجْأَةً، و كَانَتْ كذلك، لأَنَّها [٢] لم تُنْتَظَرْ بها العَوامُّ إِنما ابْتَدَرَهَا أَكابِرُ أَصحاب رسولِ اللََّه صلّى اللّه عليه و سلّم من المُهَاجِرِينَ و عامَّةِ الأَنْصارِ إِلاّ تِلْكَ الطَّيْرَةَ [٣] التي كانَتْ من بَعْضِهِمْ، ثم أَصْفَقَ [٤] الكُلُّ له بمَعْرِفَتِهِم أَنْ لَيْسَ لأَبِي بَكْرٍ رضي اللََّه عنه مُنازِعٌ و لا شَرِيكٌ في الفضلِ، و لم يكن يُحْتَاجُ في أَمْرِه إِلى نَظَر و لا مُشاوَرَةٍ.
و قال الأَزْهَرِيُّ: إِنما معنى فَلْتَة : البَغْتَةُ، قال: و إِنما عُوجِلَ بِها مُبَادَرَةً لانْتِشارِ الأَمْرِ حتى لا يَطمَعَ فيها من ليسَ لها بِمَوْضِعٍ.
و قال ابنُ الأَثِيرِ: أَرادَ بالفَلْتَة الفَجْأَةَ، و مِثْلُ هذِهِ البيعةِ جَدِيرةٌ بأَن تكون مُهَيِّجَةً للشَّرِّ و الْفِتْنَةِ، فعَصَم اللََّهُ تعالى من ذلك، وَ وَقَى، قالَ: و الفَلْتَةُ : كُلُّ شَيْءٍ فُعِلَ من غَيْرِ رَوِيَّةٍ، و إِنما بُودِرَ بها خَوْفَ انْتِشَارِ الأَمرِ.
و قيل: أَرادَ بالفَلْتَةِ الخَلْسَةَ، أَي أَنّ الإِمَامَةَ [٥] يومَ السَّقِيفَةِ مَالَت الأَنْفُسُ إِلى تَوَلِّيهَا، و لذلك كَثُرَ فيها التَّشَاجُرُ، فما قُلِّدَهَا أَبُو بَكْر إِلاّ انْتِزَاعاً من الأَيْدِي، و اخْتِلاساً، كما في لسانِ العرب، و مثله في الفائِقِ، و المُحْكَم، و غيرها، و وجدت في بعض المَجَاميع: قال عليُّ بنُ الإِسْرَاج: كان في جِوَارِي جَارٌ يُتَّهَمُ بالتَّشَيُّعِ، و ما بانَ ذلك منه في حالٍ من الحالاتِ إِلا في هِجاءِ امرأَتِهِ، فإِنه قال في تَطْلِيقها:
ما كُنْتِ من شَكْلِي و لا كُنْتُ مِنْ # شَكْلِكِ يا طَالِقَةُ الْبَتَّهْ
غَلطْتُ في أَمْرِكِ أُغْلُوطَةً # فأَذْكَرَتْنِي بَيْعَةَ الفَلْتَهْ
و أَفْلَتَنِي الشَّيْءُ وَ تَفَلَّتَ مِنِّي. و أَفْلَتَ الشَّيْءُ و انْفَلَتَ بمَعْنًى واحدٍ.
و أَفْلَتَهُ غَيْرُه : خَلَّصَهُ، ١٦- و في الحَدِيثِ «تَدَارَسُوا القُرْآنَ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتاً من الإِبِلِ من عُقُلِها». التَّفَلُّتُ و الانْفِلاتُ و الإِفْلاتُ : التَّخَلُّصُ من الشَّيْءِ فَجْأَةً مِنْ غَيْر تَمَكُّث، ١٤- و في الحِديثِ «أَنَّ رَجُلاً شَرِبَ خَمْراً فَسَكِرَ فَانْطُلِقَ بِهِ إِلى النَّبِيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، فلمّا حَاذَى دارَ العبَّاسِ انْفَلَتَ ، فدَخَلَ عليه، فَذَكَرَ ذلِك له، فضَحِكَ، و قَالَ: أَفَعلَهَا؟و لم يَأْمُرْ فيه بشَيْءٍ و في حديث آخر «فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ و أَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ من يَدي». أَي تَتَفَلَّتُونَ ، فحُذِفت إِحدى التَّاءَين تخْفِيفاً.
و يقال: أَفْلَتَ فلانٌ جُرَيْعَةَ الذَّقَنِ [٦] يُضْرَبُ مَثَلاً للرَّجُلِ يُشْرِفُ على هَلَكَةٍ ثم يُفْلِتُ ، كَأَنَّهُ جَرَعَ الموْتَ جَرْعاً ثم أَفْلَتَ مِنْه.
و الإِفْلاتُ يكونُ بِمَعْنَى الانْفِلاتِ لازِماً، و قد يكون واقِعاً [٧] ، يقال: أَفْلَتُّهُ من الهَلَكَةِ، أَي خَلَّصْتُه، و أَنْشَدَ ابنُ السِّكِّيتِ:
و أَفْلَتَنِي مِنْهَا حِمَارِي و جُبَّتِي # جَزَى اللََّهُ خَيْراً جُبَّتِي و حِمَارِيَا
و عن أَبي زَيْد: من أَمثَالِهِمْ في إِفْلاتِ الجَبانِ، « أَفْلَتَنِي جُرَيْعَةَ الذَّقَنِ»إِذا كَانَ قَرِيباً كقُرْبِ الجُرْعَةِ من الذَّقَنِ، ثم أَفْلَتَهُ ، قال أَبو مَنْصُور: معنى أَفْلَتَنِي ، أَي انْفَلَتَ مِنّي، و قيل: معنَاه أَفْلَتَ جَرِيضاً، قال مُهلهِل:
منّا عَلَى وَائِلٍ و أَفْلَتَنَا # يَوْماً عَدِيٌّ جُرَيْعةَ الذَّقَنِ
و سيأْتي البَحْثُ في ذلك في ج ر ض.
و عن ابن شُمَيْل: أَفلَتَ فلانٌ من فلان، و انْفَلَتَ ، و مَرَّ بنا بعِيرٌ مُنْفَلِتٌ و لا يُقَالُ مُفْلِتٌ ، ١٤- و في الحَدِيثِ عن أَبي مُوسى
____________
[١] النهاية: و تخلّف.
[٢] في غريب الهروي: لأنه لم ينتظر بها العوام.
[٣] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله الطيرة كذا بخطه و هي الخفة و الطيش كما في القاموس».
[٤] عن اللسان، و بالأصل «لصق»و عبارة الهروي: «ثم أصفقوا له كلهم لمعرفتهم.
[٥] في الفائق: الإمارة.
[٦] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله و يقال.. الخ. قال المجد: أفلت فلان جريعة الذقن أو بجريعة الذقن أو بجريعائها و هي كناية عما بقى من روحه، أي نفسه صارت في فيه أو قريباً منه»و في التهذيب و اللسان «بجريعة الذقن».
[٧] واقعاً أي متعدياً.