تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١١٠ - قنت قنت
و قال الضَّحَّاكُ: كلُّ قُنُوتٍ في القُرْآنِ فإِنّمَا يُعنَى به الطَّاعَةُ، و رُوِيَ مثلُ ذلك عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، رضي اللََّه عنه.
وَ قَنَتَ اللََّه يَقْنُتُهُ : أَطاعَه، و قوله تعالى كُلٌّ لَهُ قََانِتُونَ * [١]
أَي مُطِيعُونَ، و معنى الطَّاعَة هنا أَنَّ مَنْ في السَّموَاتِ [٢]
مَخْلوقُون بإِرادَةِ اللََّهِ تعالى، لا يَقْدِر أَحدٌ على تَغْيِيرِ الخِلْقَةِ [و لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ] [٣] ، فآثارُ الخِلْقَةِ و الصَّنْعَةِ تَدُلُّ على الطّاعَة، و ليس يُعْنَى بها طاعةُ العِبَادَةِ، لأَنّ فيهما مُطِيعاً و غيرَ مُطِيعٍ، و إِنما هي طاعةُ الإِرادَة و المَشيئَة. كذا في اللسان.
و القُنُوت : السُّكُوتُ، قال زيدُ بن أَرْقَمَ: كنا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ-يُكَلَّمُ الرَّجُلُ صاحِبَه و هو إِلى جَنْبِه-حتَّى نَزَلَتْ وَ قُومُوا لِلََّهِ قََانِتِينَ فأُمِرْنا بالسُّكُوتِ، و نُهِينَا عن الكلامِ، فأَمْسَكْنَا عن الكلامِ» [٤] .
و قَالَ الزَّجَّاجُ: المَشْهُور في اللغة أَنّ القُنُوتَ الدُّعَاءُ، قلت: و هو المَرْوِيّ عن ابن عباس.
قال الزَّجَّاجُ: وَ حَقِيقَة القانِتِ ، أَنه القائم بأَمْرِ اللََّهِ، فالدَّاعِي إِذا كانَ قائِماً خُصَّ بأَنْ يُقَال له: قَانِتٌ ، لأَنَّهُ ذاكِرٌ للََّهِ و هو قائِمٌ على رِجْلَيْهِ، فحقيقةُ القُنُوتِ : العِبَادَةُ و الدُّعَاءُ للََّهِ عزّ و جَلّ في حالِ القِيَام، و يَجُوزُ أَن يَقَع في سائِرِ الطّاعَة، لأَنّه إِن لم يَكُنْ قِيَامٌ بالرِّجْلَين، فهو قيامٌ بالشْيءِ بالنِّيَّةِ.
قال ابن سِيده: و القَانِتُ : القائِمُ بجَمِيعِ أَمرِ اللََّه تعالى.
و قيل: القَانِتُ : العَابِدُ، وَ كََانَتْ مِنَ اَلْقََانِتِينَ [٥] أَي من العَابِدِينَ.
و قال أَبو عُبَيْدٍ: أَصلُ القُنُوتِ في أَشياءَ، فمنها: القِيَامُ، و بهذا جاءَت الأَحَاديث فِي قُنُوتِ الصَّلاةِ، لأَنَّه إِنما يَدْعُو قائِماً، و أَبْيَنُ من ذلِك ١٤- حديثُ جابِرٍ قال : «سُئلَ النَّبِيّ صلّى اللّه عليه و سلّم:
أَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ؟قال: طُولُ القُنُوتِ ». يريد طُولَ القِيَامِ.
و زَعَم ثعلَبٌ أَنَّ أَصلَ القُنُوتِ القيامُ، نقله ابنُ سيده.
و القُنُوتُ أَيضاً الصّلاة، و يُقَالُ للمُصَلّي: قانِتٌ ، ١٦- و في الحديث «مَثَلُ المُجَاهِدِ في سبيلِ اللََّهِ كَمَثَلِ القَانِتِ الصَّائِمِ». أَي المُصَلِّي، و قيل: القُنُوتُ القيامُ بالطَّاعَةِ التي ليس معها مَعْصِيَةٌ.
و القُنُوتُ : الإِمْسَاكُ عن الكَلامِ في الصَّلاةِ أَو مُطْلَقاً.
و أَقْنَتَ [٦] : دَعَا على عَدُوِّهِ، عن ابن الأَعْرَابيّ، و منه دُعَاؤه صلّى الله عليه و سلّم على رِعْل و ذَكْوَانَ.
و أَقْنَتَ : أَطالَ القيامَ في صَلاتِه، عن ابن الأَعرابيّ أَيضاً، و في التنزيل وَ قُومُوا لِلََّهِ قََانِتِينَ [٧] كذا فَسَّرَهَا بَعْضُهُم.
و قد تَكَرَّرَ ذِكْرُ القُنوتِ في الحَدِيث، و يَرِدُ لِمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ: كالطَّاعَةِ و الخُشُوعِ و الصَّلاةِ و الدُّعَاءِ و العِبَادَةِ و القيامِ، و طُولِ القيامِ، و السُّكُوتِ، فيُصْرَفُ[في]كلّ واحدٍ من هذه المعاني إِلى ما يَحْتَمِلُه لفظ الحديث الوارد فيه.
و قال ابنُ الأَنْبَارِيّ: القُنُوتُ على أَربعةِ أَقسام: الصَّلاَة، و طول القِيَام و إِقامَة الطّاعَة، و السُّكُوت.
و أَقْنَتَ ، إِذا أَدَامَ الحَجَّ، عن ابن الأَعْرَابيّ أَيضاً.
و أَقْنَتَ : أَطَالَ الغَزْوَ، عن ابن الأَعْرَابِيّ أَيضاً.
و أَقْنَتَ ، إِذَا تَوَاضَعَ للََّهِ تَعَالى عن ابنِ الأَعْرَابيّ أَيضاً [٨] .
فَتَحَصَّل لنا مما تَقَدَّمَ من كلام المُؤَلِّف في معنى القنوت مَعَانٍ تسْعَة، و هي: الطَّاعَةُ، و السُّكُوتُ، و الدُّعَاءُ، و القيَامُ، و الإِمْسَاكُ عن الكلام، و طُولُ القيام، و إِدامةُ الحَجِّ، و إِطَالةُ الغَزْو، و التَّوَاضُعُ.
و مما زيد عليه: العِبَادَةُ، و الصَّلاةُ، و قد تقدم شاهدُهُما.
[١] سورة البقرة الآية ١١٦.
[٢] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله السموات كذا بخطه، و لعل الظاهر السموات و الأرض بدليل قوله «لأن فيهما الخ».
[٣] زيادة عن اللسان.
[٤] زيد في التهذيب و اللسان «فالقنوت هاهنا الأمساك عن الكلام في الصلاة».
[٥] سورة التحريم الآية ١٢.
[٦] سورة البقرة الآية ٢٣٨.
[٧] زيادة عن النهاية.
[٨] أقوال ابن الأعرابي نقلها الصاغاني في التكملة.