تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١١٢ - قوت قوت
١٦- و في حديث آخر : « قُوتُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فيه». سُئِل الأَوْزَاعيّ عنه فقال: هو صِغَرُ الأَوْعيَة [١] ، و قال غيره: هو مثلُ قوله: «كيلوا طَعَامَكُمْ».
و تَقَوَّتَ بالشَّيْءِ، و اقْتَاتَ به، و اقْتَاتَهُ . جَعَلَهُ قُوتَه ، و حكى ابنُ الأَعْرابيّ إِنَّ الاقْتياتَ هو القُوتُ ، جعله اسماً له، قال ابنُ سيدَه: و لا أَدري كيف ذلك، قال: و قَوْل طُفَيْل [الغنوي].
يَقْتَاتُ فَضْلَ سَنَامهَا الرَّحْلُ
قال: عندي أَنَّ يَقْتَات هنا بمعنى يَأْكُل فيَجْعَلُه قُوتاً لنَفْسه، و أَما ابنُ الأَعْرَابيّ فقال: معناه يَذْهَبُ به شيئاً بعد شَيْءٍ، قال: و لم أَسمَعْ هذا الذي حكاه ابنُ الأَعْرَابيّ إِلاّ في هذا البيت وَحْدَه، فلا أَدري أَ تَأَوُّلٌ[منه]أَم سَمَاعٌ سَمِعَه [٢] ، قال ابنُ الأَعْرَابيّ: و حَلَفَ العُقَيْليُّ يوماً[فَقَالَ]:
لا و قائِتِ نَفَسي القَصيرِ، ما فَعَلْتُ، قال: هو من قوله:
يَقْتَاتُ فَضْلَ سَنَامهَا الرَّحْلُ
قال: و الاقْتِياتُ و القَوْتُ واحدٌ، قال أَبو منصور: لا و قَائتِ نَفَسي، أَراد بنَفَسي [٣] رُوحَه، و المعنى: أَنه يَقْبِض رُوحَه نَفَساً بعد نَفَسٍ، حتى يَتَوَفَّاه كُلَّه، و قوله:
يَقْتَاتُ فَضْلَ سَنَامهَا الرَّحْلُ
أَي يَأْخُذُ الرَّحْلُ-و أَنَا راكبُهُ-شَحْمَ سَنَامِ الناقَةِ قليلاً قليلاً حتى لا يَبْقَى منه شَيْءٌ، لأَنَّهُ يُنْضِيها.
و القَائِتُ : الأَسَدُ، و ذا من التكملة.
و القَائِتُ من العَيْش: الكِفَايَةُ يقال: [هو]في قائتٍ من العَيْش، أَي[في] [٤] كفاية و المُقيتُ : الحافظُ للشَّيْءِ و الشَّاهدُ له و أَنشد ثعلبٌ للسَّمَوْأَلِ بنِ عادياءَ:
رُبَّ شَتْمٍ سَمِعْتُه و تَصَامَمْ # تُ وَعِيٍّ تَرَكْتُه فَكُفِيتُ
ليْتَ شِعْري و أَشْعُرَنَّ إِذَا مَا # قَرَّبُوها مَنْشُورَةً و دُعِيتُ
أَ لِيَ الفَضْلُ أَمْ عَلَيَّ إِذا حُو # سِبْتُ إِنِّي عَلَى الحِسَاب مُقِيتُ
أَي أَعْرِفُ ما عَمِلْتُ من السوءِ، لأَن الإِنْسَانَ عَلَى نَفْسه بَصيرَةٌ.
و حكى ابنُ بَرِّيّ عن أَبي سَعيدٍ السِّيرافيّ قال: الصحيحُ رواية من روى:
«... رَبِّي عَلَى الحسَاب مُقِيتُ »
قالَ: لأَنّ الخاضعَ لرَبِّه لا يَصفُ نَفْسَه بهذه الصِّفَةِ، قال ابنُ بَرِّيّ: الذي حَمَلَ السِّيرَافيَّ على تصحيح هذه الرِّوَايَة أَنَّه بَنَى على أَن مُقيتاً بمعنى مُقْتَدِر، و لو ذَهبَ مَذْهَبَ مَنْ يقول: إِنّه الحافِظُ للشَّيْءِ و الشَّاهِدُ لَهُ-كما ذَكَر الجوهَريُّ- لم يُنْكِرِ الرِّوَايَةَ الأُولَى.
و المُقِيتُ في أَسماءِ اللََّهِ الحُسْنَى: الحَفِيظُ.
و قال الفَرّاءُ: المُقِيتُ المُقْتَدِرُ و المُقدِّرُ كالذِي يُعْطِي كُلَّ أَحَدٍ و كلَّ شَيْءٍ-و في بعضِهَا كُلَّ رَجُلٍ، و هو نَصُّ عبارةِ الفرّاءِ- قُوتَهُ . و قيل: المُقِيتُ : هو الذي يُعْطِي أَقواتَ الخَلائقِ، من أَقَاتَه يُقِيتُه ، إِذا أَعْطَاهُ قُوتَه ، و أَقَاتَه أَيضاً، إِذا حَفِظَهُ، و في التَّنْزِيلِ العزِيزِ وَ كََانَ اَللََّهُ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً [٥] و قال الزَّجَّاجُ: المُقِيتُ القَدِيرُ، و قيل: الحَفِيظُ[قال] [٦] : و هو [عندي]بالحَفِيظِ أَشْبَهُ، لأَنه مُشْتَقٌّ من القَوْتِ ، يُقَال:
قُتُّ الرجُلَ أَقُوتُه قَوْتاً ، إِذا حَفِظْتَ نَفْسَه بما يَقُوتُهُ و القُوتُ :
اسمُ الشَّيْءِ الذي يَحْفَظُ نَفْسَه و لا فَضْلَ فيهِ على قَدْرِ الحِفْظِ، فمعنى المُقِيتِ : الحَفيظُ الذِي يُعْطِي الشيءَ قَدْرَ الحَاجَةِ من الحِفْظِ، و مثله قول الزَّجَّاج، و قيلَ في تَفسيرِ بيتِ السَّموأَلِ:
إِنّي على الحِسَابِ مُقِيتُ
أَي مَوْقُوفٌ على الحِسَابِ، و قال آخَرُ:
ثم بَعْدَ المَمَات يَنْشُرُنِي مَنْ # هُو عَلَى النَّشْرِ يَا بُنَيَّ مُقِيتُ
أَي مُقْتَدِرٌ.
[١] النهاية: الأَرغفة.
[٢] عن اللسان، و بالأصل «أم سماع منه».
[٣] في التهذيب: بنفسه.
[٤] زيادة عن الصحاح.
[٥] سورة النساء الآية ٨٥.
[٦] زيادة عن التهذيب.