أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥٨ - الأمر الخامس مباني الاجتهاد
على جملة من الأبحاث الشافية و الأخبار الكافية تدلّ على ذلك و تؤيّد ما هنالك، إلّا أنّ الذي ظهر لي- بعد إعطاء التأمّل حقّه في المقام و إمعان النظر في كلام علمائنا الأعلام- هو إغماض النظر عن هذا الباب، و إرخاء الستر دونه و الحجاب، و إن كان قد فتحه أقوام و أوسعوا فيه دائرة النقض و الإبرام:
أمّا أوّلًا: فلاستلزامه القدح في علماء الطرفين و الإزراء بفضلاء الجانبين، كما قد طعن به كلّ من علماء الطرفين على الآخر، بل ربّما انجرّ إلى القدح في الدين، سيّما من الخصوم المعاندين، كما شنّع به عليهم الشيعة من انقسام مذهبهم إلى المذاهب الأربعة، بل شنّع به كلّ منهم على الآخر أيضاً.
و أمّا ثانياً: فلأنّ ما ذكروه في وجوه الفرق بينهما جلّة بل كلّه عند التأمّل لا يثمر فرقاً في المقام ...- إلى أن قال-.
و أمّا ثالثاً: فلأنّ العصر الأوّل كان مملوءاً من المحدّثين و المجتهدين، مع أنّه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف، و لم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتّصاف بهذه الأوصاف، و إن ناقش بعضهم بعضاً في جزئيات المسائل، و اختلفوا في تطبيق تلك الدلائل، و حينئذٍ فالأولى و الأليق بذوي الإيمان، و الأحرى و الأنسب في هذا الشأن هو أن يقال: أنّ عمل علماء الفرقة المحقّة و الشريعة الحقّة- أيّدهم اللَّه تعالى بالنصر و التمكين و رفع درجاتهم في أعلى علّيين سلفاً و خلفاً- إنّما هو على مذهب أئمّتهم (صلوات اللَّه عليهم) و طريقهم الذي أوضحوه لديهم، فإنّ جلالة شأنهم و سطوع برهانهم و درعهم و تقواهم المشهور بل المتواتر على مرّ الأيّام و الدهور يمنعهم من الخروج عن تلك الجادّة القويمة و الطريقة المستقيمة، و لكن ربّما حادّ بعضهم أخبارياً كان أو مجتهداً عن الطريق غفلة أو توهّماً أو لقصور اطّلاع أو قصور فهم أو نحو ذلك في بعض المسائل، فهو لا يوجب تشنيعاً و لا قدحاً، و جميع تلك المسائل- التي جعلوها مناط الفرق- من هذا القبيل، كما لا يخفى على من خاض بحار التحصيل، فإنّا نرى كلًا من المجتهدين و الأخباريين يختلفون في آحاد المسائل، بل ربّما خالف أحدهم نفسه، مع أنّه لا يوجب تشنيعاً و لا قدحاً، و قد ذهب رئيس الأخباريين الصدوق (رحمه الله) تعالى) إلى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد و لا أخباري، مع أنّه لم يقدح ذلك في علمه و فضله، أو لم يرتفع صيت هذا الخلاف و لا وقوع هذا الاعتساف إلّا من زمن صاحب الفوائد المدنية سامحه اللَّه تعالى برحمته