أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٧٠ - الفصل الأوّل في مقتضى الأصل الأوّلي في المتعارضين
هذا كلّه بناءً على القول بالسببية.
و أمّا على مبنى الطريقيّة فذهب أكثرهم إلى التساقط، و استدلّوا لذلك بوجود العلم الإجمالي بكذب أحد الطريقين، حيث إنّه يوجب عدم اعتماد العرف بكليهما فيسقط كلّ واحد منهما عن الطريقيّة و الحجّية.
و إن شئت قلت: إنّ أغلب الطرق الشرعيّة مأخوذة من الطرق العقلائيّة و امضاء لها، و لا إشكال في أنّ العرف و العقلاء في باب الشهادات و الدعاوي و مقام القضاء و غيرها يحكمون ببطلان كلا الطريقين إذا شهد كلّ منهما على خلاف الآخر مثلًا.
و للمحقّق الأصفهاني (رحمه الله) كلام في هذا المجال لا تخلو الإشارة إليه من فائدة، و حاصله: أنّ الاحتمالات المتصوّرة في ما نحن فيه أربعة:
١- أن يكون أحدهما لا بعينه حجّة، فإنّه إذا علمنا بكذب أحدهما لا بعينه صارت الحجّة أيضاً أحدهما لا بعينه، و لا إشكال في بطلان هذا الاحتمال لأنّ عنوان أحدهما لا بعينه انتزاع ذهني لا وجود له في الخارج، فلا تتعلّق به وصف الحجّية، فإنّ الصفات سواء كانت حقيقية أو اعتبارية لا تعرض إلّا للوجود الخارجي.
٢- أن تكون الحجّة ما يكون مطابقاً للواقع، و هذا أيضاً لا يمكن الالتزام به لعدم العلم بمطابقة واحد منهما للواقع و إن احتمل ذلك، فإنّ المفروض ظنّية كلّ واحد من الخبرين.
٣- أن يكون كلّ منهما حجّة (و كأنّ مراده حجّية كليهما في مدلولهما الالتزامي و هو نفي الثالث) و لكنّه أيضاً لا يمكن الالتزام به لأنّه و إن كان المقتضي للحجّية في كليهما موجوداً و المانع مفقوداً و لكن سنخ المقتضي لا يقبل التعدّد، لأنّ تنجّز الواقع الواحد على تقدير الإصابة لا يعقل فعليته في كليهما، فالواقع غير قابل للفعلية إلّا في أحدهما.
٤- عدم حجّية كليهما، و هذا هو المتعيّن [١].
أقول: و هنا احتمال خامس و هو التخيير، و لكنّه أيضاً منتفٍ لعدم الدليل عليه من العقل و لا النقل (إلّا في مورد خاصّ).
فتلخّص من جميع ذلك أنّ الأصل في المتعارضين التساقط.
[١] راجع نهاية الدراية: ج ٥- ٦، ص ٢٨٥- ٢٨٧، طبعة مؤسسة آل البيت.