أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤١٨ - المعيار في بقاء الموضوع
المعيار في بقاء الموضوع:
ثمّ إنّه هل اللازم بقاء الموضوع العقلي الدقّي أو الموضوع المأخوذ في لسان الدليل، أو الموضع العرفي؟ ففيه وجوه ثلاثة.
إن قلت: لا معنى للتردّد بين هذه الامور الثلاثة فانّ من الواضح لزوم التبعية عن لسان الدليل، و إنّما العقل كاشف عن حكم الشرع و ليس مشرّعاً، و كذلك العرف، فلا يصحّ جعلهما في عرض لسان الدليل.
قلنا: ليس المراد من هذا الترديد كون العقل و العرف في مقابل الشرع، بل المقصود منه إنّا إذا أردنا تطبيق ما ورد من جانب الشارع (أي قوله: لا تنقض ...) على مورد الاستصحاب كان المعتبر فيه هل الجمود على ظاهر الدليل، أو ملاحظة ما يراه العقل بالنظر الدقّي، أو ما يفهمه العرف؟
فإذا ورد من الشارع مثلًا «الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجّسه شيء» و شككنا في أنّ هذا الماء كرّ أم لا (على نحو الشبهة الموضوعيّة) مع أنّه كان في السابق كرّاً، فهل الميزان في بقاء موضوع الكرّية أي عنوان «هذا الماء» نظر العرف حتّى يصدق قوله ٧ «لا تنقض اليقين بالشكّ» لأنّ هذا الماء نفس ما كان سابقاً بنظر العرف و لا يضرّ أخذ مقدار من الماء بصدق عنوان «هذا»، فيكون الموضوع باقياً فيجري الاستصحاب، أو الميزان بقاء «هذا» بنظر العقل فلا ينطبق عليه قوله ٧: «لا تنقض ...» لأنّ هذا الماء غير ما كان سابقاً بالنظر العقلي الدقّي فلا يكون الموضوع باقياً فلا يجري الاستصحاب؟
و هكذا فيما إذا كان الشبهة حكميّة كما إذا صار الماء نجساً بالتغيّر، و الآن زال عنه التغيّر، فإن كان المعيار نظر العقل فلا يكون الموضوع باقياً، و إن كان هو نظر العرف يكون باقياً، و إن كان الميزان الجمود على ما ورد في لسان الدليل و فرضنا أنّ الوارد فيه «أنّ الماء المتغيّر نجس» فقد تبدّل الموضوع بزوال التغيّر، و إن فرضنا أنّ الوارد فيه «الماء نجس إذا تغيّر» فالموضوع باقٍ على حاله كما لا يخفى.
و إن شئت قلت: (كما قاله بعض الأعلام): أنّ المقصود من هذا الترديد أنّه هل المرجع في بقاء الموضوع هو الدليل الأوّل (الدالّ على المتيقّن سابقاً) أي ما يدلّ على نجاسة الماء حين التغيّر، حتّى يلاحظ ما ورد في لسانه من الموضوع و إنّه هل هو «الماء المتغيّر» أو «الماء» مطلقاً،