أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٠ - نقد سائر الأقوال
رابعاً: ما ظهر ممّا حقّقناه سابقاً من أنّ الفاعل في الضرر هم المكلّفون لا اللَّه سبحانه مع أنّ ظاهر كلام الشيخ بل صريحه كون الفاعل هو اللَّه، و قد عرفت أنّه لا يساعد عليه ظواهر الأدلّة أو صريحها.
أمّا القول الثالث: (و هو ما نقله الشيخ الأعظم (رحمه الله) من بعض الفحول، و هو أن يكون المراد من نفي الضرر نفي صفة عدم التدارك، و هو في نظر الشيخ (رحمه الله) أردأ الوجوه) فغاية ما يمكن أن يقال في توجيهه «أنّ الضرر إذا كان متداركاً لم يصدق عليه عنوان الضرر بنظر العرف و إن صحّ اطلاقه عليه بالدقّة العقليّة، فنفي الشارع للضرر على الاطلاق مع ما نرى من وجوده في الخارج دليل على أنّ جميع أنواع الضرر الحاصلة من ناحية المكلّفين متداركة بحكم الشرع، و أنّ فاعلها مأمور بتداركها و جبرانها، و إلّا لم يصحّ نفيها، فهذا القيد أعني «عدم التدارك» إنّما يستفاد من الخارج من باب دلالة الاقتضاء».
و قد اجيب عن هذا بوجوه عديدة، و عمدة الجواب عنه أن يقال: إذا كان الفاعل للضرر هو اللَّه سبحانه صار المعنى عبارة عن أنّ اللَّه تبارك و تعالى لا يجعل الأحكام الضرريّة، و لا حاجة إلى تقدير «غير متدارك» كما لا يخفى، و إن كان الفاعل هو المكلّفين فأيضاً لا نحتاج إلى ذلك التقدير لأنّ المعنى حينئذٍ عدم ترخيص إضرار أحد بغيره في مقام التكليف و الوضع، غاية ما يلزم أن تكون «لا» نافية و كناية عن النهي، و لا إشكال في أنّه إذا دار الأمر بين هذه الكناية و تقدير «غير متدارك» الكناية هى الاولى، لعدم انس الأذهان بمثل هذا التقدير، و بالعكس لها بالنسبة إلى الكناية المذكورة انس شديد، لما مرّت من الشواهد و التراكيب.
أمّا القول الرابع: (و هو مختار شيخ الشريعة من كون مفاد الحديث حكماً فرعيّاً خاصّاً من دون أن يكون ناظراً إلى سائر الأدلّة و حاكماً عليها) فقد ظهر جوابه ممّا عرفت في بيان المختار من حكومة القاعدة على جميع الأدلّة الواردة في حقوق الناس و المعاملات بالمعنى الأعمّ.
أما القول الخامس: (و هو ما نقلناه إجمالًا من تهذيب الاصول) فهو مبنى على أربع مقدّمات نلخّصها في اثنتين:
إحداهما: أنّ للنبي ٦ مقامات ثلاثة:
الأوّل: مقام النبوّة و الرسالة فهو ٦ بما أنّه نبي و رسول ينبئ عن اللَّه، و يبلّغ أحكامه