أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٥ - نقد سائر الأقوال
و أمره سمرة بالاستئذان دخل سمرة باب اللجاج و التمرّد، و على القاضي إجراء حكمه، و لذلك أمر الأنصاري بعد ذلك بقلع النخلة حسماً لمادّة النزاع.
و الحاصل: أنّ الرواية تنادي بأعلى صوتها بأنّها ناظرة إلى مسألة القضاء.
نعم لقائل أن يقول: إنّ صدرها و إن كان وارد في مقام القضاء، لكن ذيلها يدلّ على أنّ قلع النخلة من باب ولاية الحاكم و الحكم السلطاني.
و لكنّا نقول: إنّ تعليله ٦ بحكم كلّي إلهي في هذه الواقعة الخاصّة من أوضح الدليل على أنّ قاعدة لا ضرر حكم كلّي إلهي، و إن كان تطبيقها على ذاك المورد من باب ولاية الحاكم الإسلامي، فأمره بقلع الشجرة أمر سلطاني صدر منه ٦ لأجل إجراء قاعدة «لا ضرر و لا ضرار» الذي هو حكم كلّي إلهي.
الجهة الثالثة: أنّ لازم كونه حكماً سلطانياً إجرائياً اختصاصه بزمن النبي ٦ و أنّه يجوز لغيره من الحكّام تغييره، و لا أظنّ التزامه (قدس سره الشريف) به.
الجهة الرابعة: سلّمنا جميع ذلك، لكن لما ذا تختصّ حكومة القاعدة بقاعدة السلطنة، و لا حكومة لها على سائر الأحكام الضررية، مع أنّها بحسب الظاهر كبرى كلّية، و المورد ليس مخصّصاً.
الجهة الخامسة: من العجب أنّه (قدس سره) اكتفى في المسألة بقضية سمرة و ما تقتضيه و لم يشر إلى سائر المدارك الموجودة فيها، فإنّه قد مرّ في المقام الأوّل أنّ دليل القاعدة ليس منحصراً بقضيّة سمرة، بل هناك روايات عديدة من طرق الفريقين ظاهرة في خلاف هذا القول، و آيات مختلفة وردت في موارد خاصّة ضررية، و لا إشكال في أنّ ما يستفاد منها حكم إلهي أوحاه اللَّه تعالى إلى نبيّه ٦، و النبي إنّما هو مبيّنه و مبلّغه.
إلى هنا تمّ الكلام في تفسير القاعدة و الأقوال الواردة فيها، و ظهر أنّ المختار فيها:
١- أنّ «لا» نافية، و لكنّها كناية عن النهي.
٢- أنّ الفاعل في الضرر هم المكلّفون لا اللَّه سبحانه.
٣- أنّها تعمّ الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة.
٤- أنّها تختصّ بحقوق الناس، و لا تشمل حقوق اللَّه تعالى مثل العبادات الضرريّة و غيرها.