أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٣٦ - الأمر الثاني الاجتهاد بالمعني العام و الاجتهاد بالمعنى الخاصّ
الأمر الثاني: الاجتهاد بالمعني العام و الاجتهاد بالمعنى الخاصّ
الاجتهاد بالمعنى العام، و الاجتهاد بالمعنى الخاصّ (و قد مرّ البحث عنهما في مواضع مختلفة من الاصول، و هاهنا هو المحلّ الأصلي للكلام عنه فلا بأس بإعادته مع بسط و توضيح).
أمّا الاجتهاد بالمعنى العام فهو ما مرّ تعريفه في الأمر الأوّل و يكون مقبولًا عند الشيعة و السنّة، و سيأتي أنّ الأخباري أيضاً يقبله في مقام العمل و إن كان ينكره باللسان.
و أمّا الاجتهاد بالمعنى الخاصّ فهو مختصّ بأهل السنّة، و المراد منه نوع تشريع و جعل قانون من ناحية الفقيه فيما لا نصّ فيه على أساس القياس بالأحكام المنصوصة أو الاستحسان أو الاستصلاح (المصالح المرسلة) أو غير ذلك من مبانيهم [١].
[١] و لا بأس بالإشارة إلى بعض ما ذكروه في تعريف هذه المباني و توضيحها:
أمّا القياس فقال بعضهم: «القياس هو إلحاق أمر بآخر في الحكم الشرعي لاتّحاد بينهما في العلّة .. و كلّ مجتهد يقيس بنظره الخاصّ في كلّ حادثة لا نصّ عليها في الكتاب أو السنّة و لا إجماع عليها» (المدخل الفقهي العام: لمصطفى أحمد الزرقاء، ج ١ ص ٧٣).
و قال في موضع آخر: «و لا يخفى أنّ نصوص الكتاب و السنّة محدودة متناهيّة، و الحوادث الواقعة و المتوقّعة غير متناهيّة فلا سبيل إلى إعطاء الحوادث و المعاملات الجديدة منازلها و أحكامها في الشريعة إلّا طريق الاجتهاد بالرأي الذي رأسه القياس» (ج ١، ص ٧٤).
و قال في موضع أخر (بعد نقل دليل عن الشهرستاني يقرب ممّا ذكره في وجوب الاجتهاد و القياس):
«و ليس مراده قياس الأولويّة القطعيّة بل الظنّية، و لذا ذكر في أمثلتها قياس الفقهاء قياس حال المتولّي للوقف على ولي اليتيم و أخذ أحكام الوقف من الوصية، و قياس أحكام الإجارة بالبيع و قياس تغييره صورة العين المغصوبة، مثل ما لو جعل الحنطة دقيقاً على التلف، فقالوا بضمان المثل أو القيمة» (ج ١، ص ٧٩).
ثمّ قال: إنّ هناك جماعة من فقهاء بعض المذاهب لم يقبلوا طريقة القياس، فسمّوا الظاهريّة، و لم يكن لمذهبهم هذا حياة و وزن لمخالفته ضرورات الحياة التشريعية، بل القياس هو سرّ سعة الفقه الإسلامي الشاملة لما كان و ما يكون من الحوادث» (ج ١، ص ٨١) (أقول: و سيأتي في محلّه إن شاء اللَّه نقل هذا الكلام و بيان ضعفه من شتّى الجهات).
و أمّا الاستحسان فقد ذكر في تعريفه أنّه «العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر بوجه أقوى يقتضي هذا العدول» و لعلّ أحسن التعاريف المأثور للاستحسان و أشمله لأنواعه ما حكاه في الكتاب المزبور عن أبي الحسن الكوفي من أئمّة مذهب الحنفي، و تلخّصه: «أنّ الاستحسان هو قطع المسألة عن نظائرها، فهو عكس القياس الذي هو إلحاق المسألة بنظائرها في الحكم (و مثّل له بعدم ضمان الأمين في الوديعة الذي يقاس عليه كلّ أمانة كمال الشركة و الإجارة) و لكنّهم فرّقوا في الاستحسان بين الأجير الخاصّ كالخادم و الأجير العام كالصبّاغ و نحوه فقالوا أنّه ضامن كي لا يتقبّل من أعمال الناس أكثر من طاقته طمعاً في زيادة الربح» (ج ١، ص ٨٣- ٨٩).
هذا- و لكن الشافعي في كتاب الامّ عقد بحثاً سمّاه بكتاب إبطال الاستحسان، و يقول فيما يؤثر عنه: ليس للمجتهد أن يشرع، و من استحسن فقد شرع (ج ١ ص ١٢٥).
و أمّا المصالح المرسلة فقال في نفس الكتاب أيضاً: و المصالح المرسلة هى كلّ مصلحة لم يرد في الشرع نصّ على اعتبارها بعينها أو بنوعها ... فإذا كانت المصلحة قد جاء بها نصّ خاصّ بعينها ككتابة القرآن صيانة له من الضياع و كتعليم القراءة و الكتابة، أو كانت ممّا جاء نصّ عامّ في نوعها يشهد له الاعتبار كوجوب تعليم العلم و نشره ... فعندئذ تكون من الصالح المنصوص عليها عيناً أو نوعاً لا من المصالح المرسلة، و يعتبر حكمها ثابتاً بذلك النصّ لا بقاعدة الاستصلاح (فالمصالح المرسلة تكون مقابلة للمنصوصة) (ج ١، ص ٩٨).
و أمّا سدّ الذرائع فقال: «أنّه من فروع الاستصلاح يمنع شرعاً كلّ طريق أو وسيلة قد تؤدّي عن قصد أو غير قصد إلى المحاذير الشرعيّة، و يسمّى هذا الأصل في اصطلاح الفقهاء و الاصوليين مبدأ سدّ الذرائع» (ج ١، ص ١٠٧) و قال في موضع آخر ما حاصله: أنّه عبارة عن منع كلّ ما يمكن أن يكون حيلة لإبطال حكم الشرع و يتسبّب إليه، ثمّ مثّل له من الشرع بأمثلة كثيرة مثل منع بناء المساجد على القبور و النهي عن الخلوة بالأجنبية، ثمّ ذكر أحكاماً اجتهادية على هذا المبنى مثل أن يكون من حقّ الزوجة المطلّقة طلاق الفرار من الإرث، و ذكر من مصاديق هذا النوع من الاستصلاح مسألة تغيير الأحكام بتغيّر الزمان و حكى له أمثلة كثيرة: منها أنّ الفقهاء المتقدّمين كانوا يجيزون إيجاد عقارات الواقف مهما كانت مدّة الإيجار طويلة أو قصيرة، و لكن المتأخّرين لمّا رأوا كثرة غصب المتنفّذين لأملاك الأوقاف و تواطؤ بعض المسئولين على الأوقاف معهم أفتوا بمنع إيجار عقار الوقف أكثر من سنة واحدة في الدور و الحوانيت المبنية، و ثلاث سنين في الأراضي الزراعية خشية أن يدّعي المستأجر في النهاية ملكية العقار (ج ١، ص ١١٠).