أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٦ - نقد سائر الأقوال
إن قلت: فكيف أفتى الفقهاء بعدم صحّة العبادات الضرريّة مثل الصوم و الوضوء الضرريّين؟
قلنا: إنّ قدماء الأصحاب بل و كثير من متأخّريهم استندوا فيها بقاعدة لا حرج، و لم يستندوا إلى قاعدة لا ضرر، مع استدلالهم بها في أبواب المعاملات مثل خيار الغبن و غيره ممّا يرجع إلى اضرار الناس بعضهم ببعض، فهذا هو شيخ الطائفة في كتاب الطهارة من الخلاف [١]، و المحقّق (رحمه الله) في المعتبر [٢] و العلّامة (رحمه الله) في التذكرة و صاحب المدارك في المدارك كلّهم استندوا في مسألة الوضوء الضرري بقوله تعالى: «وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» و لم نر استنادهم إلى قاعدة لا ضرر في هذه المسألة و في غيرها من أبواب العبادات الضرريّة و غيرها من التكاليف التي تكون من حقوق اللَّه، و لا ترجع إلى معاملة الناس بعضهم ببعض، و كذلك غيرهم من الفقهاء الأعلام (رضوان اللَّه عليهم) فيما حضرنا من كلماتهم، (و أظن أنّ الاستناد بهذه القاعدة في هذه الأبواب نشأ بين المتأخّرين أو متأخّري المتأخّرين من الأصحاب) و هذا بنفسه من المؤيّدات على مقالتنا، و ذلك لصرافة أذهانهم و استقامة أنظارهم في فهم المفاهيم العرفيّة من الكتاب و السنّة.
هذا و لو تنزّلنا و حكمنا بإجمال القاعدة من هذه الجهة فلا بدّ أيضاً من الأخذ بالقدر المتيقّن و هو جريانها في أبواب المعاملات و فيما ترجع إلى اضرار الناس بعضهم ببعض فقط، فتبقى الإطلاقات الواردة في غيرها سليمة عن المعارض و الحاكم.
هذا كلّه هو بيان المختار في معنى الحديث.
نقد سائر الأقوال:
أمّا الأوّل و الثاني: و هما أنّ القاعدة نافية للأحكام الضرريّة إمّا مجازاً بلسان نفي الحكم
[١] المسألة ١١٠: الجبار و الجراح و الدماميل و غير ذلك إذا أمكن نزع ما عليها و غسل الموضع وجب ذلك، فإن لم يتمكّن من ذلك بأن يخاف التلف أو الزيادة في العلّة، مسح عليها و تمّم وضوئه و صلّى، و لا إعادة عليه ... دليلنا قوله تعالى: «وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ».
[٢] راجع ما ذكرنا من عباراتهم في كتابنا القواعد الفقهيّة: ج ١، ص ٦٤.