أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٦ - الفصل الأوّل في مقتضى الأصل الأوّلي في المتعارضين
و من ذلك يعلم أنّه لا يتصوّر التعارض فيما إذا كان كلّ من الدليلين قطعيّاً من جميع الجهات لأنّه ينافي العلم بكذب أحدهما، بل لا يمكن فرض وجود دليلين قطعيين متخالفين حتّى يتكلّم فيهما من هذه الجهة.
هذا كلّه في ما أردنا إيراده بعنوان المقدّمة.
إذا عرفت هذا فلنتكلّم في أصل البحث فنقول (و منه سبحانه نستمدّ التوفيق): هاهنا فصول:
الفصل الأوّل: في مقتضى الأصل الأوّلي في المتعارضين
فهل الأصل في التعارض التساقط، أو التخيير، أو الجمع مهما أمكن؟
قد يقال: بلزوم الجمع بينهما استناداً إلى القاعدة المعروفة «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح» و لعلّ أوّل من طرحها ابن أبي جمهور الأحسائي في غوالي اللئالي و إن تصدّى للعمل بها شيخ الطائفة (رحمه الله) في الاستبصار (و لا يخفى أنّ الأولوية في هذه القاعدة هى الأولويّة التعيينية، أي وجوب الجمع مهما أمكن لا استحبابه نظير ما ورد في قوله تعالى: «وَ أُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ» [١]).
و لكنا نقول: الجمع يتصوّر على أقسام:
أوّلها: الجمع التامّ بين الدليلين بالعمل بتمامهما من دون أي تصرّف فيهما فإن أمكن ذلك و لو بتدبير و بذل جهد فلا إشكال في وجوبه بل هو خارج عن محلّ الكلام و من التعارض.
ثانيهما: أن يكون المراد منه العمل ببعض كلّ منهما أو بعض أحدهما و تمام الآخر عملًا يوافقه العرف و يستحسنه، فلا إشكال أيضاً في تعيّنه و كونه أولى من الطرح كما في العام و الخاصّ، و لكنّه أيضاً خارج عن محلّ الكلام لأنّه لو كان بينهما تعارض فإنّما هو في النظر البدوي.
ثالثها: أن يكون المراد منه الجمع بين الحقوق المتزاحمة في باب التزاحم، كالجمع بين
[١] سورة الأنفال: الآية ٧٥.