أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٧٩ - أخبار التخيير
حدّثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثمّ جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيّهما كنت تأخذ؟ قلت: بأحدثهما و أدع الآخر. فقال: قد أصبت يا أبا عمرو أبى اللَّه إلّا أن يعبد سرّاً أما و اللَّه لئن فعلتم ذلك إنّه لخير لي و لكم أبى اللَّه عزّ و جلّ لنا في دينه إلّا التقيّة» [١].
و لكن لا يخفى أنّ مورد هذه الرواية هو التقيّة، و لا إشكال في أنّ المعتبر في هذا المقام إنّما هو آخر ما يصدر من صاحب التقيّة فإنّها على قسمين: تقيّة القائل، و هى ما إذا كان الإمام ٧ في شرائط خاصّة تقتضي بيان الحكم على خلاف الواقع، و تقيّة السائل و هى ما إذا كان للمسائل ظروف و شرائط خاصّة كذلك فإنّ الإمام ٧ كالطبيب ينظر إلى حاجة المأمورين في الظروف المختلفة من لزوم التقيّة أو رفضها، و من الواضح أنّ الميزان في تعيين الحكم و الوظيفة العمليّة إنّما هو ما مرّ عليه في الحال من الشرائط الجديدة، و لازمه لزوم الأخذ بأحدث الخبرين.
بل يمكن أن يقال: إنّ هذه الرواية و كذلك ما ورد في ذيل الرواية السابقة (و هو قوله ٧:
«و اللَّه لا ندخلكم إلّا فيما يسعكم») الظاهر في مقام التقيّة أيضاً يرفع النقاب عن وجه هذه الطائفة من الروايات بأجمعها، و يبيّن لنا جهة صدورها و أنّها غير قابلة الاعتماد من هذه الجهة و تكون خارجة عن محلّ النزاع.
و مما يؤيّد هذا المعنى (أي خروجها عن محلّ النزاع) يقين السائل فيها بأصل الصدور و أصل مجيء الحديث عن جانب الإمام ٧ و إنّما الكلام في جهة الصدور بينما محلّ البحث هو ما إذا كان الصدور ظنّياً، هذا كلّه أوّلًا.
و ثانياً: سلّمنا كون الأحدثية ميزاناً في الأخذ بأحد الخبرين، و لكن غايتها أنّها إحدى المرجّحات، فلا دلالة لهذه الروايات على صورة فقدان هذا المرجّح، فتكون أخصّ من المدّعى.
و ثالثاً: أنّها محمولة على عصر الحضور بقرينة ما ورد في رواية معلّى بن خنيس «خذوا به حتّى يبلغكم عن الحي».
[١] وسائل الشيعة: الباب ٩، من أبواب صفات القاضي، ح ١٧.