أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥١ - نقد سائر الأقوال
خطيرها و حقيرها حتّى أرش الخدش.
الثاني: مقام الحكومة و السلطنة، فهو ٦ سلطان الامّة و الحاكم بينهم و سائس العباد في البلاد، و هو من هذه الجهة يرسل سرية و يأمر بالجهاد و يعدّ القوّة، إلى غير ذلك من شئون الحكومة الإلهيّة في الخلق.
و الفرق بين المنصبين واضح فإنّه ٦ بما أنّه نبي و رسول ليس له أمر و لا نهي، و لا بعث و لا زجر، بل كلّ ما يأمر به أو ينهى عنه فإرشاد إلى أمره تعالى و نهيه، و أمّا إذا أمر بما أنّه سائس الامّة فيجب إطاعته و يحرم مخالفته، فمن خالف فإنّما خالف أمر الرسول و نهيه، و من أطاع فقد أطاعه، أي يكون المقام ذا دستور و أمر و زجر مستقلًا.
الثالث: مقام القضاء و فصل الخصومة عند التنازع.
ثانيتهما: أنّه كلّما ورد في الروايات من الرسول و وصيّه من أنّه «أمر بكذا» فهو ظاهر في الأمر المولوي السلطاني، و كلّما ورد من «أنّه قضى» فهو ظاهر في القضاء و فصل الخصومة، و أمّا قوله «حكم» فهو مردّد بينهما، و أمّا ما ورد في الآثار من التعبير بأنّه ٦ «قال» فدلالته على أنّه كان أمراً سلطانيّاً يحتاج إلى قرينة دالّة عليه، و أمّا إذا كان بصيغ الأمر فهى ظاهرة في حدّ نفسها في الأمر المولوي، فالعدول عنه يحتاج إلى دليل آخر.
ثمّ قال: إن قاعدة لا ضرر من الأحكام السلطانيّة، و يدلّ عليه:
أوّلًا: ما ورد من طرق العامّة من التعبير ب «و قضى أن لا ضرر و لا ضرار» في مساق سائر الأقضية، و لا ينافي هذا ما مرّ أنّ لفظة «قضى» ظاهرة في الحكم القضائي، فإنّ ذلك صحيح إذا لم تقم قرينة على كونه ليس بصدد فصل الخصومة و القضاء.
و ثانياً: قضيّة سمرة، لأنّ التأمّل في صدرها و ذيلها و الإمعان في هدف الأنصاري حيث رفع الشكوة إلى النبي ٦ ليدفع عنه الظلم، و التدبّر في أنّه لم يكن لواحد منهما شبهة حكميّة و لا موضوعيّة، يورث الاطمئنان و يشرف الفقيه بالقطع على أنّ الحكم حكم سلطاني.
إن قلت: إنّ الرسول ٦ قد استند في أمره بالقطع و الرمي بها على وجهه بقوله: «فإنّه لا ضرر و لا ضرار» و ظاهر الاستناد و الفاء المفيد للتعليل أنّه حكم إلهي و قاعدة كلّية من اللَّه تعالى، و هو ٦ اتّكل على الحكم الإلهي، فأمر الأنصاري بقلعها و رميها، فعلّل عمل نفسه بالحكم الصادر من اللَّه، و لا يناسب أن يفسّر عمل نفسه و يعلّله بحكم نفسه.