أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣١٨ - تفصيل الشيخ الأعظم الأنصاري؛ بين الشكّ في المقتضي و الشكّ في الرافع
و لم يقم دليل على انتفاء ذلك الحكم هل يحكم ببقائه على ما كان، أم يفتقر الحكم في الوقت الثاني إلى دلالة؟ كما يفتقر نفيه إلى الدلالة، حكى عن المفيد (رحمه الله) أنّه يحكم ببقائه ما لم تقم دلالة على نفيه، و هو المختار، و قال المرتضى (رحمه الله): لا يحكم. ثمّ مثل بالمتيمّم الواجد للماء في أثناء الصّلاة، ثمّ احتجّ للحجّية بوجوه: منها: أنّ المقتضي للحكم الأوّل موجود، ثمّ ذكر أدلّة المانعين و أجاب عنها، ثمّ قال: و الذي نختاره أن ننظر في دليل ذلك الحكم فإن كان يقتضيه مطلقاً وجب الحكم باستمرار الحكم كعقد النكاح فإنّه يوجب حلّ الوطي مطلقاً. فإذا وقع الخلاف في الألفاظ التي يقع بها الطلاق، فالمستدلّ على أنّ الطلاق لا يقع بها لو قال: حلّ الوطي ثابت قبل النطق بهذه الألفاظ فكذا بعده، كان صحيحاً، لأنّ المقتضي للتحليل- و هو العقد- اقتضاه مطلقاً، و لا يعلم أنّ الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء، فيثبت الحكم عملًا بالمقتضي [١].
فظهر أنّ كلام الشيخ (رحمه الله) واضح لا حاجة في توضيحه إلى بيان احتمالات عديدة، نعم الظاهر أنّ كلام المحقّق (رحمه الله) لا ربط له بالاستصحاب و بالشكّ في المقتضي أو المانع المبحوث عنه في مبحث الاستصحاب، بل الظاهر أنّ مراده من المقتضي إنّما هو العمومات التي يرجع إليها عند الشكّ في المخصّص، و الشاهد عليه ما صرّح به في ذيل كلامه حيث قال: «وقوع العقد اقتضى حلّ الوطي لا مقيّداً بوقت» فإنّه ناظر إلى عموم «اوفوا بالعقود» و «أحلّ اللَّه النكاح» الذي لا نعلم تخصيصه بالألفاظ المشكوكة في أبواب الطلاق، فالتمسّك بالعموم عند الشكّ في المخصّص شيء، و التمسّك بالاستصحاب شيء آخر، و هذا نظير الاستدلال لأصالة اللزوم في أبواب المعاملات ب «اوفوا بالعقود» و «أحلّ اللَّه البيع» و «تجارة عن تراضٍ» و غيرها، كما تمسّك الشيخ الأعظم نفسه بها في ابتداء مباحث البيع و الخيارات. ثمّ أضاف إليها لاستصحاب بعنوان دليل آخر.
و أمّا الأمر الثاني: فاستدلّ الشيخ (رحمه الله) لهذا التفصيل بما حاصله: أنّ للنقض معنىً حقيقيّاً و هو عبارة عن رفع الهيئة الاتّصاليّة كما في نقض الحبل، و معنى مجازياً أقرب و هو رفع الأمر الثابت، أي المستحكم الذي فيه اقتضاء الثبوت و الاستمرار، و معنىً مجازياً أبعد و هو مطلق رفع اليد عن الشيء و ترك العمل به و لو لعدم المقتضي له، فإذا تعذّر المعنى الحقيقي كما في المقام
[١] فرائد الاصول: ص ٥٦١، طبع جماعة المدرّسين.