أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٧٩ - المقام الثاني في أدلّة المسألة
فقد قال صاحب المدارك في كتابه في مبحث الوضوءات المستحبّة: و ما يقال من أنّ أدلّة السنن يتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها فمنظور فيه لأنّ الاستحباب حكم شرعي يتوقّف على دليل شرعي.
و قال الصدوق (رحمه الله) في باب صلاة غدير خمّ: إنّ شيخنا لم يصحّح أخبار هذه الصّلاة فلا اعتبار بها (بصلاة غدير خمّ) عندنا.
فإنّه لو كان الإجماع قائماً على التسامح في أدلّة السنن لم يقل بهذا.
و ثانياً: من ناحية إنّه محتمل المدرك و الظاهر أنّ مدركه هو أخبار من بلغ.
فالعمدة في المقام إنّما هى الأخبار، و استدلّ بها بأنّ ظاهرها ترتّب الثواب على العمل لا من باب التفضّل فقط بل من باب إنّ العمل يوجب الاستحقاق، ففي حديث صفوان: «كان له أجر ذلك» (المشار إليه هو العمل)، و كذلك في حديث هشام (الذي مرّ إنّه من أهمّها): «كان أجر ذلك له» فقد اضيف الأجر في هذين الحديثين إلى العمل، و هو ظاهر في كون العمل مأموراً به و لازمه الاستحباب النفسي.
و بعبارة اخرى: لا إشكال في أنّ هذه الأخبار تحرّضنا إلى العمل و التحريض إلى العمل دليل على كونه محبوباً، و المحبوبية تدلّ على وجود الأمر.
هذا غاية البيان للاستدلال بهذه الأخبار على الاستحباب.
لكن أورد عليه بوجوه عديدة بعضها قابل للدفع:
١- إنّ هذه الأخبار أخبار آحاد، و قد ثبت في محلّه عدم حجّيتها بالنسبة إلى الاصول.
و يمكن الجواب عنه بأمرين: أحدهما: إنّ المسألة فقهيّة لا اصوليّة. ثانيهما: إنّه قد وقع الخلط بين اصول الفقه و اصول الدين و ما ذكر من عدم حجّية أخبار الآحاد إنّما هو بالنسبة إلى الثاني لا الأوّل.
لكنّ فيه: إنّ اصول الفقه أيضاً على المبنى المختار لا تثبت بخبر الواحد لأنّ عمدة الدليل على حجّيته إنّما هو بناء العقلاء، و هم لا يقنعون به في المسائل الأساسية الاصوليّة فلا يكتفون به مثلًا في ما يسمّى اليوم بالدستور، و باللغة الفارسيّة «قانون أساسي» و لا ريب في اتّحاد القاعدة الفقهيّة مع القاعدة الاصوليّة في هذه الجهة (أي الأهميّة و الخطورة).
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ خبر الواحد في ما نحن فيه معتضد بعمل الأصحاب قديماً و حديثاً،