أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٦٦ - الأمر السادس التخطئة و التصويب
كان اللَّه تعالى يجعل الحكم بعد اجتهاد المجتهد، و المجتهد يطلب في استنباطه حكم اللَّه الواقعي فما هو مطلوبه؟
و بعبارة اخرى: يستلزم منه الدور المحال لأنّ اجتهاد المجتهد متفرّع على وجود حكم قبله، و المفروض أنّ الحكم أيضاً متوقّف على اجتهاده، و قد يسمّى هذا بتصويب الأشعري، و ليس بذلك، كما سيأتي بيانه.
و أمّا القسم الثاني: (و هو ما يكون مجمعاً على بطلانه) فهو أنّ اللَّه تعالى ينشئ أحكاماً عديدة بعدد آراء المجتهدين قبل اجتهادهم، فيكون كلّ مجتهد طالباً في استنباطه لحكمه الذي جعله اللَّه تعالى في حقّه، و هذا و إن لم يكن محالًا عقلًا و لكنّه مجمع على بطلانه عند الإمامية، حيث إنّهم يعتقدون أنّ لكلّ واقعة حكماً واقعياً واحداً للعالم و الجاهل، أصابه المجتهد أو لم يصيبه، و قد يسمّى هذا بتصويب المعتزلي و ليس بذلك، كما سيأتي بيانه أيضاً.
و أمّا القسم الثالث: فهو أن يكون حكم اللَّه تعالى في مقام الإنشاء واحداً و لكنّه متعدّد في مقام الفعليّة لأنّ طرقه الشرعيّة متعدّدة و يكون كلّ طريق سبباً لإيجاد المصلحة في مؤدّاه فيكون منشأ التعدّد في الأحكام الفعلية هو القول بسببيّة الأمارات، و قد مرّ أنّ الصحيح المختار بطلان السببيّة، و أنّ المستفاد من أدلّة حجّية الأمارات إنّما هو الطريقيّة فحسب، فالأقوى بطلان هذا القسم و إن لم يكن باطلًا عقلًا و لا مجمعاً على بطلانه.
و أمّا القسم الرابع: فهو التصويب في الأحكام الظاهريّة الذي يوافق مبنى القائلين بأنّ أدلّة حجّية الأمارات و إن لم تكن سبباً لإيجاد المصلحة و لكنّها توجب جعل حكم ظاهري مماثل كما هو المختار، و هو الظاهر من كلمات المشهور و فتاواهم، و قد يكون في سلوك هذه الطرق مصالح أهمّ من المصالح الواقعيّة التي تفوت من المكلّف و هذا ما يعبّر عنه بالمصلحة السلوكيّة.
هذا هو المختار في معنى الطريقيّة، و هناك قول آخر بأنّ المراد من الطريقيّة هو جعل المنجّزية و المعذّرية مع القول بالمصلحة السلوكيّة، و على كلّ حال يكون القول بالطريقيّة خارجاً عن التصويب بأي معنى فرض كما سيأتي.
الأمر الثالث: في أنّ هذا التقسيم الرباعي ناشٍ من وقوع خلط في معنيي الاجتهاد، و هو الخلط بين الاجتهاد بالمعنى العام و الاجتهاد بالمعنى الخاصّ، و إلّا يكون التقسيم ثلاثياً.