أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٩٠ - المقام الأوّل في شرائط جريان أصالة الاحتياط
المقام الأوّل: في شرائط جريان أصالة الاحتياط.
فحاصل كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله) فيه: أنّه لا يعتبر في حسن الاحتياط شيء أصلًا بل هو حسن على كلّ حال، إلّا إذا كان موجباً لاختلال النظام، و لا تفاوت فيه بين المعاملات و العبادات مطلقاً و لو كان موجباً للتكرار فيها.
إن قلت: التكرار عبث لا يترتّب عليه غرض عقلائي و لعب بأمر المولى، و هو ينافي قصد الامتثال المعتبر في العبادة.
قلنا: أمّا العبثية فلا تصلح لأن تكون مانعة عن حسن الاحتياط المستلزم لتكرار العبادة لكونها أخصّ من المدّعى، لإمكان نشوء التكرار عن غرض عقلائي، كما إذا كان في تحصيل العلم التفصيلي بالامتثال مشقّة و كلفة أو بذل مال و ذلّ سؤال.
و أمّا كونه لعباً بأمر المولى و منافياً مع قصد الامتثال، ففيه: إنّ مناط القربة المعتبرة في العبادة هو إتيان الفعل بداعي أمر المولى بحيث لا يكون له داعٍ سواه، فلو أتى بهذا الداعي فقد أدّى وظيفته و إن لم يكن التكرار ناشئاً من غرض عقلائي و كان لاعباً في كيفية الامتثال، لأنّ المنافي إنّما هو اللعب في أصل الامتثال لا في كيفيته (انتهى).
أقول: أوّلًا: إنّ محلّ البحث في المقام إنّما هو الاحتياط الواجب لا المستحبّ، و مجرّد الحسن لا يكون دليلًا على وجوبه.
ثانياً: إنّ إشكال التكرار ليس منحصراً في اللغويّة، بل من الإشكالات دعوى الإجماع على حرمة التكرار، خصوصاً بعد ملاحظة عدم كونه مأنوساً في الشرع المقدّس باستثناء موارد شاذّة، مثل إذا اشتبهت القبلة بين الجهات الأربع، و المعروف فيها تكرار الصّلاة إلى الجهات الأربع، و إن كان المختار فيها أيضاً عدم وجوب التكرار.
و من الإشكالات عدم تحقّق قصد الوجه و قصد التميّز، و إن كان المختار عدم وجوبهما أيضاً.
و ثالثاً: لا فرق بين اللعب في الكيفية و اللعب في أصل العمل لاتّحادهما خارجاً كما لا يخفى، و الاتّحاد يوجب سراية القبح من أحدهما إلى الآخر.
و رابعاً: أنّه لا دليل على حسن الاحتياط مطلقاً حتّى فيما إذا قامت أمارة على الترخيص