أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨٢ - المقام الرابع الفرق بين مثبتات الاصول و الأمارات
و يمكن أن يناقش فيه:
أوّلًا: بأنّ كلامه و إن كان صادقاً في مثل خبر الواحد، لأنّ له الحكاية، و الحكاية عن الشيء حكاية عن لوازمه (و كذا الإقرار و البيّنة) و لكنّه لا يصدق في مثل أصالة اليد، حيث إنّها لا تحكي و لا تخبر عن شيء، و ليس لها لسان حتّى تنحلّ إلى حكايات عديدة.
و ثانياً: أنّه يقبل في نفس خبر الواحد أيضاً في الجملة لا بالجملة، لأنّ انحلاله إلى إخبارات عديدة مبنى على التفات المخبر باللوازم و الملازمات، و أمّا اللوازم التي ليس المخبر عالماً بها و لا متوجّهاً إليها فلا يصحّ أن يكون الإخبار عن الملزوم إخباراً عن تلك اللوازم.
البيان الثاني: أنّ حجّية الأمارة هى من باب أنّها توجب حصول الظنّ نوعاً، و الظنّ بشيء ظنّ بلوازمه.
و فيه: أنّه المبني مخدوش، لأنّ مناط الحجّية ليس هو حصول الظنّ النوعي، و إلّا يلزم حجّية الظنّ مطلقاً، و هو- على الظاهر- ممّا لا يلتزم به المستدلّ نفسه.
البيان الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) من «أنّ الأمارة إنّما تكون محرزة للمؤدّي و كاشفة عنه كشفاً ناقصاً، و الشارع بأدلّة اعتبارها قد أكمل جهة نقصها، فصارت الأمارة ببركة اعتبارها كاشفة و محرزة كالعلم، و بعد انكشاف المؤدّى يترتّب عليه جميع ما للمؤدّى من الخواصّ و الآثار على قواعد سلسلة العلل و المعلولات و اللوازم و الملزومات» [١].
أقول: إنّ كلامه هذا أيضاً من آثار مبناه المعروف من أنّ معنى الحجّية جعل صفة المحرزية و الكاشفيّة و اليقين، فكأنّ الشارع يقول: أنّ لمفهوم الحجّة قسمين من المصداق: قسم تكويني، و قسم اعتباري يحتاج إلى جعل و اعتبار ممّن بيده الاعتبار، فبعد جعل الحجّية يصير مصداقاً واقعياً للعلم فيترتّب عليها لوازمها و ملازماتها كالعلم التكويني.
و لكن قد مرّ كراراً أنّ صفة اليقين أمر تكويني لا يمكن جعلها في عالم الاعتبار، و ينبغي أن نشير هنا إلى ما أفاد المحقّق العراقي (رحمه الله) في تعليقته على فوائد الاصول، فإنّه قال: «الطريقيّة بمعنى تتميم الكشف و تماميّة الانكشاف المساق لإلغاء الاحتمال بحقيقته يستحيل أن تناله يد الجعل تشريعاً» [٢].
[١] فوائد الاصول: ج ٤، ص ٤٨٧، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] المصدر السابق: ص ٤٨٤، طبع جماعة المدرّسين.