أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣٨ - التنبيه العشرون النسبة بين الاستصحاب و القواعد الجارية في الشبهات الموضوعيّة
قلنا: المدار في النسبة بين الدليلين هو نسبتهما بحسب أنفسهما قبل تخصيص أحدهما بشيء، فتخصيص القرعة بالشبهات الموضوعيّة بالإجماع و الضرورة لا يوجب خصوصية في جانبها بعد عموم دليلها بحسب اللفظ.
الوجه الثاني: أنّ عموم دليل القرعة موهون بكثرة تخصيصه حتّى صار العمل به في مورد محتاجاً إلى الجبر بعمل الأصحاب بخلاف الاستصحاب فيكون عمومه باقياً على قوّته فيقدّم على عمومها.
الوجه الثالث: أنّ الموضوع في جريان القرعة كون الشيء مشكلًا بقول مطلق (واقعاً و ظاهراً) لا في الجملة، وعليه يكون دليل الاستصحاب وارداً على دليل القرعة، رافعاً لموضوعه (أي الإشكال) و لو تعبّداً و ظاهراً، لا حقيقة و واقعاً.
أقول: الحقّ عدم تمامية الوجه الأوّل و الثاني (و قد أخذهما صاحب الكفاية عن الشيخ الأعظم (رحمه الله).
أمّا الوجه الأوّل فإنّ دليل القرعة ليس عاماً من أوّل الأمر، لأنّ الارتكاز العقلائي و المتشرّعي الموجود على اختصاصها بالشبهات الموضوعيّة يوجب انصرافها إلى الشبهات الموضوعيّة كما لا يخفى، و حينئذٍ لا يلزم انقلاب النسبة، بل النسبة بين دليلها و دليل الاستصحاب عموم مطلق من الأوّل.
و أمّا الوجه الثاني، فيرد عليه: أيضاً أنّ القرعة لم تخصّص في مورد فضلًا عن كونها موهونة بكثرة التخصيصات، لأنّ موضوعها كلّ أمر مجهول، و هو لا يعني كلّ أمر مشكوك، بل إنّما هو بمعنى سدّ جميع الأبواب و الطرق، كما هو كذلك في مثال ولد الشبهة أو الغنم الموطوءة و غيرهما ممّا ورد في أحاديث الباب، ففي مورد المثال الأوّل لا بيّنة تعيّن بها خصوص الموطوءة، و لا استصحاب لعدم سبق الحالة السابقة، و لا تجري أصالة الاحتياط للزوم الضرر العظيم، و في مثال ولد الشبهة لا طريق لإحراز أمر الولد و تخيير القاضي مظنّة التشاحّ و التنازع، فلا يبقى طريق إلّا القرعة.
و الحاصل: أنّ القرعة إنّما تجري في موارد سدّ الأبواب جميعاً من الأمارات و الاصول.
فالصحيح في المقام هو الوجه الثالث، و هو أنّ أدلّة الاستصحاب واردة على أدلّة القرعة لأنّ بها يرتفع المجهول موضوعاً، كما أنّها كذلك بالنسبة إلى أدلّة سائر الاصول و جميع الأمارات و القواعد.