أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٦ - المناقشة
الأسباب و سبب في تأثير عمل العبد في ضلالته، فهو الذي جعل العمل السيّئ و الذنوب الكبار سبباً للضلالة عن طريق الحقّ، فيصحّ إسناده إليه تعالى حقيقة كما يصحّ إسناده كذلك إلى الفاعل بلا واسطة، و هذا نظير من قتل نفسه بشرب السمّ حيث يصحّ إسناد القتل إليه حقيقة لأنّه شرب السمّ باختياره، و إلى الباري تعالى كذلك لأنّه خلق السمّ بحيث يوجب القتل.
و لا يخفى أنّ الإسناد في الوجوه الثلاثة الاول مجازاً، فلا وجه للذهاب إليها مع إمكان حفظ الكلمة على معناه الحقيقي بالوجه الأخير، كما أنّه كذلك في الآيات المشابهة التي استند الاضلال فيها إلى اللَّه تعالى.
منها: قوله تعالى: «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ فِي الآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ» [١].
و منها: قوله تعالى: «كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ» [٢] فاستناد الاضلال إليه تعالى أمر مأنوس في القرآن الكريم، و لا ريب في عدم مجازيته، لأنّ كلّ فعل يصدر من العباد يصحّ إسناده إليه تعالى حقيقة «لأنّه المالك لما ملّكك و القادر على ما عليه أقدرك» كما ورد في حديث الاحتجاج [٣].
و بالجملة الآية تدلّ على عدم اضلال اللَّه تعالى للعباد حتّى يبيّن لهم الحلال و الحرام لقوله تعالى فيها: «حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ» و بما أنّ الاضلال منشأ للعذاب بل هو نوع من العذاب الإلهي فدلالة الآية على عدم العذاب من دون البيان تكون بالأولوية أو بإلغاء الخصوصيّة.
و مما ذكرنا يظهر الجواب عمّا أورده بعض على دلالة الآية من أنّها تدلّ على نفي العذاب الدنيوي لا الاخروي، و ذلك لأنّ دلالتها على نفي العذاب الاخروي- و هو عذاب تطول مدّته و يدوم بقاؤه- بطريق أولى كما مرّ ذلك بالنسبة إلى آية البعث.
بقي هنا شيء:
و هو أنّ جميع هذه الآيات إنّما تأسّس لنا الأصل الأوّلي و تدلّ على عدم العذاب بلا بيان،
[١] سورة إبراهيم: الآية ٢٧.
[٢] سورة المؤمن: الآية ٣٤.
[٣] راجع تفسير الميزان: ج ١، ص ١٠١.