أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٣ - هل الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة؟
الثالث: أنّ التحريم أو الترخيص بناءً على أصالة الحظر أو الإباحة تحريم أو ترخيص مالكي يحكم به الشارع بما أنّه مالك، بينما التحريم أو الترخيص بناءً على أصالة الاحتياط أو الإباحة تحريم أو ترخيص مولوي يحكم به الشارع بما أنّه مقنّن و مشرّع و بما أنّه مولى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ عمدة ما استدلّ به القائلون بالحظر مالكية الباري تعالى و أنّ العالم كلّه ملك له و التصرّف في ملك الغير بدون إذنه قبيح عقلًا لا سيّما في المالك الحقيقي، و نتيجته أنّ الأصل في الأشياء الحظر إلّا ما أذن اللَّه تعالى به.
و لا يخفى أنّ هذا مبنى على ثبوت الحسن و القبح العقليين و القول بالمستقلّات العقليّة.
و قد اورد على هذا الوجه من ناحية الكبرى و الصغرى معاً.
أمّا الكبرى: و هى كون التصرّف في الأشياء تصرّفاً في ملك الغير بدون إذنه.
فيرد عليها أوّلًا: أنّ الإذن حاصل في المقام بدليل الحكم فإنّ الحكمة تقتضي أن يكون خلق الأشياء للانتفاع و التمتّع بها فلا معنى مثلًا لخلق الرياحين و الفواكه مع المنع عن أيّ تصرّف فيها للإنسان الذي هو جوهر العالم السفلي.
ثانياً: أنّ اعتبار الإذن يتصوّر فيما إذا صدق التصرّف عرفاً فلا معنى لاعتباره في استماع الخطابة من الخطيب أو شمّ الرياحين مثلًا، لعدم صدق التصرّف عليه عند العرف، كذلك في المقام، فربّما لا يصدق التصرّف العرفي فيه حتّى يقال بأنّه تصرّف في ملك الغير و لا يجوز بدون إذنه كما في النظر إلى الأجنبية، و هذا نظير ما يقال: إنّه يجوز الاستضاءة بنار الغير و نوره و الاستظلال بجداره لعدم كونها تصرّفاً عرفاً، و حينئذٍ يصبح الدليل أخصّ من المدّعى.
و ثالثاً: أنّه يمكن أن يستدلّ ببعض الآيات على وجود الإذن من اللَّه بالنسبة إلى تصرّفات عبيده كقوله تعالى: «خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» و قوله تعالى: «وَ الْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ».
و رابعاً: الاستدلال بأدلّة البراءة الشرعيّة حيث تدلّ بالالتزام على وجود الإباحة المالكيّة و إن كان مدلولها المطابقي الإباحة الظاهريّة المولويّة.
و أمّا الصغرى: و هى كون العالم ملكاً اعتبارياً للَّه تعالى.
فأورد عليها في تهذيب الاصول بما حاصله: أنّ المفيد بحال الأخباري في المقام إنّما هو المالكية القانونية الاعتباريّة، و لا وجه لاعتبار ملكيّة اعتباريّة للَّه عزّ و جلّ، فإنّ اعتبارها