أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥١ - المقام الثاني في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين
الكلام في الأقل و الأكثر الارتباطيين
المقام الثاني: في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين
إذا شككنا في أنّ الواجب في الصّلاة مثلًا هل هو تسعة أجزاء (من دون وجوب السورة) أو عشرة أجزاء، فهل يجب عليه الاحتياط، أو لا؟
و ينبغي قبل الورود في أصل البحث بيان الفرق بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيين، و الأقلّ و الأكثر الاستقلاليين، و أنّ الملاك فيه هل هو تعدّد الأغراض و وحدتها، أو تعدّد التكاليف و وحدتها؟
ذهب في تهذيب الاصول إلى الأوّل و قال: إنّ الأقل في الاستقلالي مغاير للأكثر غرضاً و ملاكاً و أمراً و تكليفاً، كالفائتة المردّدة بين الواحد و ما فوقها، و الدين المردّد بين الدرهم و الدرهمين، فهنا أغراض و موضوعات و أوامر و أحكام على تقدير وجوب الأكثر ... و أمّا الارتباطي فالغرض قائم بالأجزاء الواقعيّة، فلو كان الواجب هو الأكثر فالأقل خالٍ عن الغرض و الأثر المطلوب ... إلى أن قال: «و من ذلك يظهر أنّ ملاك الاستقلاليّة و الارتباطيّة باعتبار الغرض القائم بالموضوع قبل تعلّق الأمر»، ثمّ استدلّ لضعف القول بأنّ الملاك إنّما هو وحدة التكليف و كثرته بقوله: «ضرورة أنّ وحدته و كثرته (وحدة التكليف و كثرته) باعتبار الغرض الباعث على التكليف، فلا معنى لجعل المتأخّر عن الملاك الواقعي ملاكاً لتمييزهما» [١].
أقول: الصحيح هو الثاني، أي الميزان هو وحدة التكليف و تعدّده، و ذلك لأنّه ليست الأغراض غالباً في متناول أيدينا، و لا يمكن لنا الظفر بها و العثور عليها، بل الواصل إلينا و الموجود بأيدينا إنّما هو الأوامر و النواهي المتعلّقة بالمركّبات الشرعيّة، فالمركّب الارتباطي ما يتألّف من أشياء تكون الأوامر المتعلّقة بها أمراً واحداً حقيقة منبسطاً عليها، فتكون بينها ملازمة ثبوتاً و سقوطاً، و أمّا المركّب الاستقلالي فهو ما يتألّف من أشياء تتعلّق بها أوامر تكون لكلّ منها إطاعة مستقلّة، فلا ملازمة بينها ثبوتاً و سقوطاً، هذا مضافاً إلى أنّ ما ذكره لا يصحّ بناءً على مقالة النافين للأغراض.
إذا عرفت هذا فلندخل في أصل البحث فنقول: يقع الكلام في الأقلّ و الأكثر
[١] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٣٢١ و ٣٢٢، طبع جماعة المدرّسين.