أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦١٣
و لكن يرد عليه: أنّ الإطلاقات منزّلة على بناء العقلاء و لا تعدّ دليلًا مستقلًا برأسها.
فظهر أنّ الدليل السالم عن المناقشة للطائفة الثانية (القائلين بالجواز) إنّما هو بناء العقلاء، كما أنّ الدليل السالم عن المناقشة للطائفة الاولى إنّما هو الإجماع.
و قد استشكل في الإجماع أوّلًا: بأنّه مدركي، و مدركه أمّا أصالة عدم الحجّية أو انصراف الإطلاقات إلى الأحياء. و لكن قد مرّ الجواب عنه آنفاً.
و ثانياً: بأنّه لا يكون كاشفاً عن رأي المعصوم ٧ لعدم اتّصال المجمعين بزمانه، من باب أنّ التقليد المبحوث عنه أو الاجتهاد المصطلح اليوم أمر حادث في زماننا و لم يكن رائجاً في ذلك الزمان.
و لكن يرد عليه أيضاً: أنّ التقليد بهذا المعنى الحديث و لو في مستواه البسيط كان موجوداً في ذلك الزمان أيضاً، و أنّ الأئمّة : كانوا يرجعون الناس إلى أصحابهم الموجودين في البلاد الإسلاميّة، خصوصاً إذا لاحظنا أنّ مسلمي سائر البلاد لم يكن بإمكانهم الرجوع إلى الإمام ٧ في مسائلهم الشرعيّة و حاجاتهم الدينيّة، بل كانوا يرجعون فيها إلى علماء البلاد قطعاً، و العلماء أيضاً يستنبطونها من الأدلّة الموجودة بأيديهم بعد علاج تعارضها و حمل المطلق على المقيّد و العام على الخاصّ و الأخذ بأنواع المرجّحات، إلى غير ذلك ممّا كان من وظيفة المجتهد حتّى في تلك الأعصار.
أضف إلى ذلك أنّ تقليد الحي إنّما هو رمز بقاء المذهب و تحرّكه في جميع شئونه و تجدّده عصراً بعد عصر و جيلًا بعد جيل، بل هو رمز لازدهار علم الفقه و تقدّمه على مرّ الدهور و الليالي و الأيّام، بل الإنصاف أنّ الثورات الإصلاحيّة بيد العلماء و الفقهاء في تاريخ التشيّع أثر من آثار هذا الأمر، كما شاهدناها في ثورة عصرنا، و ذلك أنّ الناس لو كانوا مقلّدين لشيخ الطائفة مثلًا فسوف لا يهتمّون بالأحكام الصادرة من جانب الفقهاء الموجودين لا سيّما قائد الثورة.
و بالجملة: أنّ القول بكفاية تقليد الميّت كلمة توجب المسرّة لأعدائنا لأنّها مانعة عن حركة الأحياء و قيادتهم، و هو الفارق الأساسي بين علماء الشيعة و علماء السنّة، و سرّ نشاط الطائفة الاولى و ركود الطائفة الثانية.