أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥٤ - الجهة الاولى في الأجزاء
أقول: لعلّ نظر المحقّق النائيني (رحمه الله) في هذا الإشكال (الإشكال الثاني) إلى وجوب حفظ ماء الوضوء مثلًا قبل الوقت، أو وجوب أخذ جواز السفر و الخروج مع الرفقة قبل مجيء أيّام الحجّ فيكون وجوب المقدّمة فيهما فعليّاً و منجّزاً مع عدم تنجّز وجوب ذيها.
لكن يرد عليه: بالنسبة إلى إشكاله الأوّل بأنّه لو قبلنا وجوب الجزء العاشر مثلًا على كلّ تقدير و أنّه دخيل في قوام الكلّ فإذا سقط عن الفعلية و التنجّز سقط بالتبع وجوب سائر الأجزاء عن الفعليّة، سواء قلنا بمقدّميتها أو لم نقل.
و إذاً ينحصر الإشكال في الثاني، و يردّه أنّه يستحيل وجوب المقدّمة فعلًا مع عدم وجوب ذيها فعلًا لأنّ وجوب المقدّمة بناءً على المقدّميّة مترشّح من وجوب ذيها و فرع عليه، و لا يمكن زيادة الفرع على الأصل، و أمّا المثالان المذكوران فوجوب المقدّمة فيهما من أجل العلم بوجوب ذي المقدّمة في موطنهما، و حكم العقل بوجوب حفظ غرض المولى الذي يتوقّف على الإتيان بالمقدّمة كما ستأتي الإشارة إليه. و لا يخفى أنّ المقام ليس من هذا القبيل.
ثمّ إنّه اجيب عن مقالة المحقّق الخراساني (رحمه الله) بوجوه اخر، و المختار في الجواب:
أوّلًا: النقض بعكس كلامه، لأنّه يلزم من وجب الاحتياط أيضاً عدم وجوب الاحتياط فإنّه فرع تنجّز الواقع على كلّ حال، و لازمه العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ، و نتيجته انحلال العلم الإجمالي و جريان البراءة في الأكثر.
و ثانياً: أنّ لزوم الخلف و لزوم عدم الانحلال من وجوده يتصوّر فيما إذا وجد الانحلال و عدم الانحلال في آنٍ واحد، لا ما إذا كان وعاؤهما زمانين مختلفين، و كان أحدهما في طول الآخر، كما أنّه كذلك في الشبهة البدوية، فيجب الاحتياط قبل الفحص و لا يجب بعده، و بعبارة اخرى: يشترط في التناقض و لزوم الخلف ثمانية شرائط: منها الوحدة في الزمان، و هى مفقودة في المقام.
و ثالثاً: أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان بناءً على المختار قاعدة عقلائيّة، و العقلاء ليس بناؤهم في دائرة الموالي و العبيد على إجراء الاحتياط في الاجزاء و الشرائط المشكوكة في المركّبات فإذا أمر المولى عبده أو الرئيس مرءوسه بأمر مركّب، و لم يذكر فيه إلّا تسعة أجزاء مثلًا، ثمّ شكّ العبد أو المرءوس في لزوم جزء عاشر فلا يصحّ مؤاخذته بدون البيان، و العقاب بلا برهان.