أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٦٤ - الأمر الخامس مباني الاجتهاد
الأعصار السابقة، بينما هى راجحة في زماننا، لا أقلّ في بعض البلاد التي تكون كثرة النفوس فيها موجبة للفقر الشديد و التأخّر و المفاسد الأخلاقيّة العظيمة.
فإنّ ما ورد في الترغيب على تكثير النسل و المواليد كالنبوي المعروف: «تناكحوا تكثروا فإنّي اباهى بكم الامم يوم القيامة و لو بالسقط» [١] ناظرة إلى الأعصار السابقة التي كانت كثرة النفوس فيها سبباً للقدرة و السلطة، فما كان من الجوامع الإنسانيّة أكثر نفراً كان أشدّ قدرة و أكثر قوّة كما يشهد عليه قوله تعالى: «كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَ أَكْثَرَ أَمْوَالًا وَ أَوْلَاداً» [٢]. و قوله تعالى: «وَ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَ أَوْلَاداً» [٣]، و قوله تعالى: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَ الْأَوْلَادِ» [٤] و قوله تعالى: «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ... وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَ بَنِينَ» [٥] فهذه الآيات تدلّ بظاهرها على أنّ كثرة الأولاد كانت موجبة للقدرة و الشوكة كما كانت كثرة الأموال أيضاً كذلك، و مثل النبوي المعروف قد ورد في مثل هذا الظرف من المجتمع الإنساني، فهذه الخصيصة الاجتماعية الموجودة في عصر صدوره تكون بمنزلة قرينة لبّية قد توجب انصرافه إلى خصوص ذلك الزمان، و هذه الدعوى و إن لم تكن ثابتة بالقطع و اليقين، و لكنّها قابلة للدقّة و التأمّل.
فقد ظهر ممّا ذكر دخل الزمان و المكان في الاجتهاد و الاستنباط لكن لا على نحو دخلهما في الحكم بلا واسطة بل من طريق دخلهما في الموضوع، فإنّ الأحكام ثابتة إلى الأبد، «و حلال محمّد ٦ حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة»، و المتغيّر على مرّ الدهور و الأزمان، و المتبدّل في الأمكنة و الأقطار إنّما هو الموضوعات، و بتبعها تتغيّر الأحكام قهراً.
[١] بحار الأنوار: ج ١٠٣ ص ٢٢٠ ح ٢٤.
[٢] سورة التوبة: الآية ٦٩.
[٣] سورة سبأ: الآية ٣٥.
[٤] سورة الحديد: الآية ٢٠.
[٥] سورة نوح: الآية ١٢.