أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦ - الثالث دليل العقل
فظهر أنّ ملاك وجوب طاعة اللَّه و قبح معصيته إنّما هو مولويته و مالكيته فللّه تعالى حقّ الطاعة على العبد لأنّه مولى حقيقي و مالك لجميع شئونه.
إذا عرفت هذا يقع البحث في حدود هذا الحقّ و دائرته.
فنقول: العقل حاكم على أنّ قيمة أغراض المولى ليست أقلّ من قيمة أغراض العبد فكما أنّه يهتمّ بأغراضه حتّى في المحتملات و المشكوكات فيسلك فيها سبيل الاحتياط كذلك يجب عليه الاحتياط في طريق النيل إلى أغراض المولى المحتملة و المشكوكة، ففي صورة الشك و عدم البيان الذي هو محلّ النزاع في المقام يحكم العقل بوجوب الاحتياط و قبح المعصية و حسن العقاب عكس ما ذهب إليه المشهور من قبح العقاب بلا بيان.
نعم إلى هنا ظهر عدم كون القاعدة قاعدة عقليّة، و لكن الحقّ إنّها قاعدة عقلائيّة جرت عليها سيرتهم و أمضاها الشارع بعدم ردعه منها كما نرى بين العبيد و الموالي و الملوك و أتباعهم و الرؤساء و من يكون تحت رياستهم، فإنّ بناءهم على عدم عقاب العبد ما لم يبيّن المولى مقاصده و أغراضه، و على عدم عقاب المرءوسين و الرعايا ما لم يبلغ إليهم أغراضهم، وعليه تكون القاعدة قاعدة عقلائيّة لا عقليّة.
و إن شئت قلت: لو لا بناء العقلاء على عدم العقاب بلا بيان و إمضاء الشارع لهذا البناء لم يقبح في حكم العقل العقاب بدونه، فوقع الخلط هنا بين الأحكام العقليّة المبنية على مسألة الحسن و القبح و الأحكام العقلائيّة الناشئة عن تشريعاتهم و قوانينهم، و الفرق بينهما ظاهر كما أنّ آثارهما مختلفة و ستأتي الإشارة إليها عن قريب إن شاء اللَّه.
لكن للمحقّق النائيني (رحمه الله) هنا بيان حاصله: إنّ الأحكام بوجودها الاحتمالي ليست لها محرّكية و باعثيّة، فيكون المكلّف حينئذٍ كالعاجز و المضطرّ، و تكليفه تكليفاً بما لا يطاق، و إليك نصّ كلامه: «لا يكفي في صحّة المؤاخذة و استحقاق العقوبة مجرّد البيان الواقعي مع عدم وصوله إلى المكلّف فإنّ وجود البيان الواقعي كعدمه غير قابل لأن يكون باعثاً و محرّكاً لإرادة العبد ما لم يصل إليه و يكون له وجود علمي ...» [١].
أقول: الإنصاف أنّ هذه مصادرة على المطلوب، لأنّا نعلم أنّ للأحكام بوجودها
[١] فوائد الاصول: ج ٣، ص ٥ ٣٦، طبع جماعة المدرّسين.