أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٠ - المناقشة
هو إتمام الحجّة على الناس، فهو كناية عن بيان التكليف، فلا موضوعيّة للبعث كما يشهد عليه أنّه لا يعقل العذاب في صورة البعث مع عدم البيان.
ثمّ إنّ هاهنا آيتين اخريين توافقان الآية المذكورة في الدلالة على البراءة في ما نحن فيه، و قد غفل عنهما في كلماتهم:
الاولى: قوله تعالى: «وَ مَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَ مَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلّا وَ أَهْلُهَا ظالِمُونَ» [١] حيث لا يخفى إنّ دلالة هذه الآية أظهر ممّا ذكره القوم، لما ورد فيها من التعبير ب «يتلوا عليهم آياتنا» الذي يدلّ صريحاً على بيان التكليف و إنّه لا عقاب إلّا بعد البيان، فلا حاجة فيها إلى التوجيه المذكور في تلك الآية من أنّ البعث كناية عن البيان.
الثانية: قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْ لَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزَى» [٢] حيث إنّ المراد من كلمة «قبله» هو قبل بعث الرسل، فتدلّ على البراءة بناءً على أنّ نقل كلام الكفّار مشعر بالقبول.
و بالجملة، إنّ لهذه الآيات الثلاثة مدلولًا واحداً مشتركاً، و هو البراءة في الشبهات الحكميّة مطلقاً.
المناقشة:
و لكنّه قد يناقش في دلالتها بأُمور عديدة، و ما قيل أو يمكن أن يقال فيها امور خمسة:
الأمر الأوّل: ما أورده المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و حاصله: إنّ الآية تدلّ على نفي فعلية العذاب لا نفي استحقاقه، و نفي الفعليّة ليس لازماً مساوياً لنفي الاستحقاق حتّى يدلّ نفيها على نفيه، بل هو أعمّ من كونه من باب عدم الاستحقاق أو من باب تفضّله تبارك و تعالى على عباده مع استحقاقهم للعذاب، فلا يصحّ الاستدلال بالآية على البراءة.
ثمّ أورد على نفسه بأنّ المخالفين يعترفون بالملازمة بين نفي الفعليّة و نفي الاستحقاق.
و أجاب عنه أوّلًا: بأنّ قبول الخصم لا يوجب صحّة الاستدلال بها إلّا جدلًا مع أنّنا
[١] سورة القصص: الآية ٥٩.
[٢] سورة طه: الآية ١٣٤.